التحول الرقمي في السياحة: العقبة تدمج التكنولوجيا مع التراث
بحلول صيف عام 2026، تلفت مدينة العقبة الانتباه بتحولها الجذري نحو الرقمنة، حيث تمزج بين إرثها البحري العريق وأحدث التقنيات التكنولوجية المبتكرة، متجاوزة بذلك الأساليب التقليدية.
وتشهد المدينة جهوداً مكثفة لإعادة تعريف السياحة المستدامة، معتمدة على الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز لإبراز الهوية الثقافية دون طمس أصالتها. وتُعد هذه الخطوة أساساً لجذب استثمارات نوعية، مما يعزز مكانة المدينة كوجهة ذكية على الخارطة العالمية، ويقدم نموذجاً حياً لنجاح الأردن في تطويع التكنولوجيا لدعم المجتمع والاقتصاد.
ولا يقتصر هذا التحديث على المظهر الخارجي، بل يمتد ليعالج البنية الاقتصادية بعمق، ويخلق توازناً بين النمو السريع وحماية الموروث الإنساني الفريد للعقبة.
ويشير المختصون إلى أن تقنيات الواقع المعزز تلعب دوراً أساسياً في هذا التطور، حيث:
- تعمل كحلقة وصل زمنية تأخذ السائح من ضجيج الحاضر إلى سكون الماضي.
- تتيح استعراض مشاهد بانورامية لقلعة العقبة وقوارب الصيد القديمة عبر الهواتف الذكية.
- تقدم تجربة وجدانية عميقة تروي حكايات الأجداد وتتفوق بها على الوجهات المنافسة.
كما يتفق الخبراء على أن هذا التحول يخدم منظومة اقتصادية شاملة ترفع من القدرة التنافسية للعقبة من خلال:
- بناء بيئة أعمال ذكية تعتمد على تحليل البيانات في صنع القرارات.
- التتبع الدقيق لحركة السياح، واهتماماتهم، ومعدلات إنفاقهم عبر التطبيقات التفاعلية.
- تطوير المنتجات الثقافية لتلائم المتطلبات المتجددة للسوق العالمي.
- تحفيز ريادة الأعمال ودعم الشركات الناشئة لابتكار حلول في التسويق الرقمي وإدارة الفعاليات.
توظيف الموارد الثقافية لتعزيز الاقتصاد السياحي
يؤكد الخبراء أن هذا التوجه يجسد الفهم الحقيقي للاستدامة، والذي يعتمد على استغلال الموارد الإنسانية والثقافية بالتوازي مع التكنولوجيا الحديثة. ويحقق هذا الدمج نمواً اقتصادياً مستداماً يبرز هوية المكان، ويجعل العقبة مقصداً للباحثين عن تجارب ثقافية مدعومة بالرفاهية الرقمية، مما يطيل من فترة إقامة السائح.
ومن خلال تحويل الحرف اليدوية والقصص الشعبية إلى محتوى رقمي عالمي، تُعطى الهوية المحلية أبعاداً اقتصادية جديدة تزيد من قيمتها. وفي هذا السياق، يرى الخبير السياحي محمد الدويك أن هذه التطلعات تهدف إلى تهيئة بيئة محفزة تستقطب كبرى الشركات التقنية، لتحويل العقبة إلى مختبر سياحي مفتوح، مما يبني جسور الثقة بين صناع القرار والمستثمرين، ويدفع وتيرة الإنجاز نحو مستويات غير مسبوقة.
تمكين الشباب وتطوير القدرات البرمجية
تتضافر الجهود لتدريب الشباب في المجتمع المحلي، ونقلهم من مجرد مستخدمين للتكنولوجيا إلى منتجين لمحتوى رقمي قادرين على تصميم النماذج ثلاثية الأبعاد والبرمجة.
ويوضح صانع المحتوى عبد الرحمن أبو الرب أن شباب المحافظة يؤكدون قدرتهم المستمرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة ثقافتهم، فهم من يبتكرون اليوم شيفرات الواقع المعزز لتقديم تجارب تروي تاريخ الأجداد، مما يولد فرص عمل متميزة في قطاعات اقتصادية واعدة.
بدورها، تصف علا المراعية، إحدى الشابات المطورات في الواقع الافتراضي، تجربتها قائلة: “لم نعد ننتظر من الخارج قدوم من يروي قصتنا للعالم، ونحن اليوم نستخدم أحدث لغات البرمجة لنعيد بناء قوارب الصيد القديمة وأسواق التوابل رقميا لتصل إلى هواتف الزوار، وتجعل من تاريخنا مادة حية تتنفس في شوارع المدينة وتخلق دخلا مستداما لعائلاتنا”.
وفي ذات السياق، يؤكد رئيس جمعية صيد الأسماك بدر ياسين، قائلاً: “كنا نخشى اندثار حكايات البحر وأهازيج الصيد مع رحيل كبار السن، واليوم نرى هذه التقنيات الحديثة تعيد الحياة لمراكبنا القديمة، وتجعل شبابنا فخورين بماضيهم، وتنقله لكل زائر أجنبي باعتزاز يحفظ كرامة المكان وتاريخه العريق”.
من جهة أخرى، يشير التقني الشاب أحمد الصرايرة إلى أن استخدام الخرائط التفاعلية وتقنيات الواقع المعزز يساهم في توجيه السياح نحو المتاجر الصغيرة والأسواق الشعبية، مما أدى إلى زيادة المبيعات الشهرية بنسب تتراوح بين 10% إلى 15%، وخلق دورة اقتصادية تعود بالنفع المباشر على الأسر المنتجة.
أما على الصعيد البيئي، فيؤكد الخبير البيئي محمد القطاونة أن الاعتماد على الواقع الافتراضي لاستكشاف خليج العقبة يوفر حماية كبيرة للبيئة البحرية الحساسة ويقلل من تأثير الأنشطة البشرية على الشعاب المرجانية، مقدماً تجربة سياحية مسؤولة ترفع من الوعي البيئي وتدعم جهود الحفاظ على الطبيعة للأجيال القادمة.