سلوك الصائم: أهمية التحلي بالأخلاق وضبط النفس في رمضان
كثيراً ما تتردد على مسامعنا خلال شهر الصيام عبارات تعكس حالة من التشنج والانفعال، مثل “تجنب الحديث مع فلان لأنه صائم”، أو “لا أستطيع التركيز بسبب الصيام”، أو “فلان غاضب طوال الوقت”. ويبرر البعض هذه السلوكيات بالانقطاع عن الطعام والشراب.
ورغم أن أجواء هذا الشهر الفضيل تتسم عادة بالمودة والتراحم والترابط الاجتماعي، يجد بعض الأشخاص صعوبة في التأقلم مع الحرمان النهاري وتغيير الروتين المعتاد، خاصة من اعتادوا على استهلاك المنبهات كالقهوة أو التدخين. هذا الانقطاع يولد لديهم شعوراً بالانزعاج يتطور غالباً إلى نوبات غضب تؤثر على من حولهم.
وقد اتخذ الكثيرون من هذه الظاهرة مادة للفكاهة، حيث تنتشر على المنصات الرقمية مقاطع طريفة تجسد توتر أرباب الأسر أو غضب بعض الأفراد واستماتتهم للوصول إلى منازلهم قبل انطلاق أذان المغرب بثوانٍ معدودة بحجة الصيام.
أهمية السيطرة على الانفعالات
أشارت مروة مخلد عبر منصتها إلى أن نوبات الغضب والتوتر أصبحت من أبرز التحديات التي ترافق هذا الشهر. وتؤكد الدراسات أن السبب الرئيسي يكمن في التبدل المفاجئ لنمط المعيشة، مما يحتم على الفرد تدريب نفسه على ضبط انفعالاته ليظل الشهر محطة للرحمة والتآخي.
وفي هذا السياق، يصرح الاستشاري الاجتماعي والأسري مفيد سرحان: “إن ديننا الحنيف يأمرنا بحسن الخلق، ورتب عليه أجرا عظيما، وجاء لتنظيم الحياة وإدارتها، فلم يقتصر على الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج، بل قرنها بالذوق السليم بوصفه جزءا أساسيا من شخصية المسلم”.
فالإنسان اللطيف بكلماته وتصرفاته يكسب محبة المحيطين به، بينما يؤدي الجفاء إلى نفور الناس وقطع الروابط. ويعتبر سرحان أن اللياقة هي تاج الأخلاق، وتتجلى في حسن الكلام واحترام ظروف الآخرين، وهي دليل قاطع على نضج العقل ونقاء السريرة، حيث هذبت الشريعة الفطرة البشرية وجملتها.
تهذيب الروح عبر التصرفات الإيجابية
يوضح سرحان أن الغاية من الصيام تتجاوز مجرد الكف عن المأكولات والمشروبات، لتصل إلى تنقية الأرواح وتدريبها على الاستقامة في القول والفعل وطلب العلم. فشهر الصيام هو ميدان للتزود الروحي وتعويد الذات على ممارسة الخير وتطهير القلوب تقرباً للخالق.
كما أنه بمنزلة تذكير سنوي بأن العبادات تتجسد في الرقي الأخلاقي داخل الأسرة، وفي بيئة العمل، وفي الأماكن العامة كالمساجد والشوارع. إنه أكاديمية تبرهن على أن القيم هي أفعال ملموسة وليست مجرد شعارات.
من جهتها، تشير عائشة مغارزة إلى ملاحظتها اليومية لهذه الظاهرة، مؤكدة أن حالة الاحتقان هذه لا تقتصر على مجتمع بعينه، بل هي نتيجة طبيعية لضغوط الوقت ومسارعة الأفراد للعودة إلى بيوتهم قبل الإفطار، مما يخلق احتكاكات متوترة بينهم في طرق العودة.
تقدير ظروف المحيطين
هذا الضغط النفسي يجعل البعض يطلقون أعذاراً وحججاً مثل “لا تناقشني فأنا صائم”، وهو ما يتنافى كلياً مع مبادئ اللياقة واللباقة التي يجب أن تسود في التفاعلات الاجتماعية قولا وفعلا.
وبالتالي، فإن التعامل الراقي هو ركن أساسي من أركان العبادة كالصوم، كما يؤكد سرحان، وليس مجرد تصرف ثانوي. إنه مفهوم شامل يعكس النبل والرفق وتجنب كل ما قد يسيء للآخرين أو يحرجهم.
وهذا البعد الأخلاقي ضروري جداً لضمان استمرارية الروابط المجتمعية وتطويرها بشكل صحي، فالأهم من بناء العلاقات هو الحفاظ عليها والارتقاء بها، وهي رسالة دعوية سامية يغفل عنها الكثيرون.
وحول المبررات التي تربط الصيام بسرعة الانفعال، يؤكد سرحان: “أن كمال الصوم يكون بضبط النفس والسمو بالأخلاق”، والتي من المفترض أن تتجلى في كل زمان ومكان، سواء في الإخلاص المهني أو تسهيل أمور الناس، فالصوم لا يبرر أبداً التهاون أو التقصير.
الالتزام بأخلاقيات القيادة والمرور
نظراً للمعاناة اليومية التي يشهدها الأفراد أثناء تنقلاتهم لقضاء حوائجهم أو الذهاب للعمل والدراسة، يصبح من الضروري التزام الجميع بآداب المرور والابتعاد عن التسرع الذي قد يؤذي الغير، سواء بالكلام أو بالفعل. هذا ما يوضحه سائق سيارة الأجرة عمر موسى، الذي يشير إلى تفاقم النزاعات في الشوارع وداخل وسائل النقل العامة خلال أيام الصيام.
ويضيف عمر أنه يجاهد للسيطرة على أعصابه وسط ضجيج أبواق السيارات ونفاد صبر السائقين في أوقات الازدحام، رغم يقينه بأن التروي سيقود الجميع في النهاية إلى منازلهم بالوقت المحدد، إلا أن هذه العصبية أصبحت للأسف سمة بارزة مرتبطة برمضان.
توقير المساحات العامة والخاصة
يلفت سرحان الانتباه هنا إلى ضرورة إدراك الصائم بأن من حوله يشاركونه فريضة الصيام ولديهم مسؤولياتهم أيضاً، مما يحتم عليه عدم إلحاق الأذى بالمارة وإعطاء الطريق حقه. فالتجمعات التي تعرقل السير، لاسيما أمام الأسواق، تتنافى مع الذوق العام. وينسحب هذا الرقي أيضاً على التجمل عند التوجه للمساجد، وارتداء الثياب النظيفة، وتجنب الروائح المنفرة، مع الحرص على نظافة المسجد وخفض الصوت فيه، وتفادي الإزعاج الليلي واستخدام الألعاب النارية.
وفي الختام، يشدد سرحان على أن جوهر الدين وعباداته يهدف إلى تجميل مسيرة الإنسان والارتقاء بها. فمن دلائل سعادة المرء أن يتحلى بذوق رفيع يمكنه من احترام مشاعر الآخرين وإدخال السرور لقلوبهم، وتجنب الصدامات، واختيار ألطف العبارات والتصرفات. ويختم قائلاً: “فالذوق سلوك يتحدث عنك من دون أن تتكلم، ولا يتطلب تكلفة، بل يتطلب وعيا وأخلاقا”.