مطار مدينة عمان: خطوة استراتيجية لاستقطاب الطيران الاقتصادي
يجمع المختصون في مجال الطيران على أن تحديث مطار مدينة عمان يُعد نقلة استراتيجية في مساعي الأردن لتنويع قطاع النقل الجوي ورفع مستوى تنافسيته إقليمياً. وتهدف هذه الخطوة إلى استدراج شركات الطيران الاقتصادي، وزيادة الوجهات المتاحة، وتوفير بدائل سفر بأسعار مناسبة، مما ينعكس إيجاباً على السياحة والاستثمارات، ويتماشى مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي لتطوير المنظومة اللوجستية والنقل.
ويتزامن هذا التوجه مع توقعات بنمو ملحوظ في الحركة الجوية ضمن قطاع الطيران الأردني، وسط جهود حثيثة لترسيخ موقع المملكة كمركز إقليمي محوري. وتعتمد هذه المساعي على توزيع المهام بين المطارات واستغلال البنية التحتية الحالية لجذب المزيد من الرحلات، مستفيدة من الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد. ويبرز مطار مدينة عمان كأحد أهم المشاريع الداعمة لهذه التنافسية، حيث يختص بالرحلات الإقليمية القصيرة والطيران الاقتصادي، ليكون مسانداً لمطار الملكة علياء الدولي. وما يعزز من أهميته هو موقعه الاستراتيجي الذي يبعد حوالي 5 كيلومترات فقط عن قلب العاصمة، مما يوفر وقت المسافرين ويقلل من تكاليف تنقلهم.
إعادة التشغيل والتطلعات المستقبلية
وبعد استيفاء كافة الشروط الفنية ومعايير الأمن والسلامة التي حددتها هيئة تنظيم الطيران المدني، استأنف المطار نشاطه التجاري مطلع العام الجاري. وبلغت تكلفة تأهيل بنيته التشغيلية وصالات المسافرين نحو 15 مليون دينار. وقد بدأ المطار فعلياً باستقبال الطيران منخفض الكلفة، مقدماً خدماته لـ 8 شركات طيران حالياً، مع طموحات للوصول إلى مليون مسافر خلال العام الجاري، عبر تسيير رحلات مباشرة نحو وجهات متعددة مثل إسطنبول، أبو ظبي، الرياض، والمدينة المنورة. وتتجه الخطط المستقبلية نحو رفع القدرة الاستيعابية لتصل إلى 2.5 مليون مسافر سنوياً، عبر توسعة المرافق والارتقاء بالخدمات اللوجستية.
رؤى الخبراء والمسؤولين حول الأهمية الاقتصادية
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم الطيران المدني الأسبق، الكابتن هيثم مستو، أن مطار مدينة عمان أُنشئ ليكون مطارًا مساعدًا لمطار الملكة علياء الدولي، بما يسهم في زيادة الحركة الجوية وجذب شركات الطيران منخفضة الكلفة. وشدد مستو على أن نجاح هذه الخطوة ينبغي أن ينعكس بصورة مباشرة على أسعار التذاكر، لا سيما في ظل الحوافز والإعفاءات التي تقدمها الحكومة للمشغلين، بحيث يلمس المسافر انخفاضًا ملموسًا في كلفة السفر من وإلى الأردن. ويضيف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب التركيز على استقطاب شركات طيران جديدة من الأسواق الأوروبية والإقليمية، وعدم الاكتفاء بنقل شركات تعمل أصلًا في مطار الملكة علياء، موضحًا أن دخول شركات جديدة يعني فتح وجهات إضافية، وزيادة أعداد المسافرين، وتنشيط الحركة السياحية. كما دعا إلى وضع مؤشرات أداء واضحة لقياس أثر الحوافز الحكومية، ومتابعة أداء شركة تشغيل المطار، لضمان تحقيق الجدوى الاقتصادية.
من جانبها، تؤكد وزيرة النقل الأسبق، الدكتورة لينا شبيب، أن الموقع الجغرافي لمطار مدينة عمان يمنحه ميزة تنافسية مهمة، إذ يخدم العاصمة ومناطقها الشمالية والشرقية ومحافظات الشمال، ما يقلل زمن الوصول إلى المطار ويخفض تكاليف النقل على المسافرين، فضلًا عن توفير خيار جديد يعزز المنافسة في سوق الطيران ويزيد فرص استقطاب شركات جديدة. وترى شبيب أن رفع الطاقة التشغيلية للمطار واستهداف استقبال مليون مسافر سنويًا من شأنه أن يدعم السياحة الداخلية والوافدة، ويعزز ثقة المستثمرين في قطاعات الضيافة والخدمات الأرضية والشحن، وهو ما ينعكس على توفير فرص عمل، مشيرة إلى أن نجاح هذا التوسع يتطلب تحقيق تكامل تشغيلي ولوجستي مع مطار الملكة علياء الدولي.
بدوره، يرى الخبير في شؤون الطيران، الكابتن يوسف هملان الدعجة، أن القيمة الحقيقية لمطار مدينة عمان لا تقتصر على زيادة حركة المسافرين، وإنما تمتد إلى قدرته على تحفيز استثمارات جديدة في قطاع الطيران والخدمات المساندة. ويوضح أن تطوير المطار ليضم مرافق متخصصة للشحن الجوي، إلى جانب إنشاء مراكز لصيانة الطائرات والتدريب، من شأنه أن يوسع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني. ويؤكد الدعجة أن نجاح هذه الرؤية يتطلب تنفيذ خطة تطوير متكاملة تشمل تحديث البنية التحتية واستقطاب شركات طيران جديدة، مع الحفاظ على التكامل الوظيفي بينه وبين مطار الملكة علياء.
أبعاد اقتصادية وبيئية شاملة
ويتفق المراقبون على أن تفعيل هذا المطار يلقي بظلاله الإيجابية على قطاعات حيوية أخرى كالمطاعم والفنادق والنقل، ويجذب المستثمرين لتطوير محيط المطار. ويبرز هنا مطلب أساسي بضرورة إطلاق حملات تسويقية دولية لترويج المطار، وتقديم تسهيلات جمركية وتشغيلية تضمن استقطاب المزيد من الرحلات والاستثمارات.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يُجمع الخبراء على أهمية الاستمرار في الاستثمار بالبنية التحتية، وتوسيع الصالات، ورفد المطار بكوادر مدربة، وتأمين وسائل نقل عام بأسعار مناسبة. كما يحظى البعد البيئي باهتمام خاص نظراً لموقع المطار داخل منطقة حضرية، مما يوجب تطبيق إجراءات صارمة للحد من الضوضاء والانبعاثات، واستخدام تقنيات تشغيلية متطورة تضمن تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة وجودة الحياة للسكان المجاورين.