الاقتصاد والأعمال

الاستثمار الأجنبي في بورصة عمان يعزز الثقة والنمو الاقتصادي

في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز البيانات المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر وحركة بورصة عمان كمؤشرات حقيقية تعكس مدى جاذبية السوق الأردنية. إن توجه رأس المال الأجنبي نحو الأردن في هذه الظروف الإقليمية الدقيقة لا يمثل مجرد أرقام مالية، بل يعد دليلاً ملموساً على الثقة العميقة بصلابة الاقتصاد المحلي وقدرته على استيعاب التحديات وتحقيق نمو مستدام.

نمو استثنائي وتوجهات حكومية محفزة

تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الأردني إلى تحقيق قفزة نوعية في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام 2025، حيث وصلت التدفقات إلى 1.525 مليار دولار، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 27.7 بالمئة مقارنة بنفس المدة من العام 2024. ولم يقتصر هذا النمو على قطاع بعينه، بل شمل تنوعاً واسعاً يؤكد على المتانة الهيكلية للسوق. وتماشياً مع الأداء الإيجابي للسوق المالي، اتخذ مجلس الوزراء قراراً يقضي بمنح الجنسية الأردنية للمستثمرين الأجانب عند شراء أسهم جديدة بقيمة لا تقل عن 1.5 مليون دينار أردني. وقد وضعت الحكومة شروطاً تنظيمية واضحة لهذا الإجراء، تتمثل في إتمام عملية الشراء خلال أربعة أشهر من موافقة وزارة الاستثمار، وألا تتجاوز نسبة الاستثمار في الشركة الواحدة 10 بالمائة من إجمالي المبلغ. كما اشترط القرار عدم رهن أو إقراض هذه الأسهم، ومنع سحب أي مبالغ أو أرباح ناتجة عن التداول قبل انقضاء خمس سنوات من تاريخ الشراء.

تنوع استثماري وانفتاح على الأسواق الإقليمية

على صعيد التوزيع الجغرافي للمستثمرين، استحوذت الدول العربية على 62 بالمئة من إجمالي التدفقات الاستثمارية، وتصدرت المملكة العربية السعودية المشهد بنسبة 18.8 بالمئة، تلتها الاستثمارات الأوروبية بنسبة 13.6 بالمئة، ثم الأميركية بواقع 3.1 بالمئة. ويعكس تركز هذه الأموال في القطاعين المالي والصناعي التحويلي ثقة واضحة بالمنظومة المصرفية الأردنية والرغبة في دعم القطاعات الإنتاجية التي توفر فرص العمل. ولتعزيز هذا المسار، انضمت بورصة عمان ومركز إيداع الأوراق المالية في شهر أيار الماضي إلى منصة “تبادل” التابعة لسوق أبوظبي للأوراق المالية، في خطوة تهدف إلى تحقيق التكامل الإقليمي. وقد تُوجت هذه الجهود بما أوردته وكالة بلومبرغ حول تجاوز مكاسب بورصة عمان حاجز الـ 45 بالمئة في عام 2025، لتصنف ضمن أفضل الأسواق أداءً على المستوى العالمي، مع تخطي إجمالي الاستثمارات الأجنبية بنهاية العام حاجز الملياري دولار، واستحواذ العقار على حصة ملحوظة من استثمارات الأفراد غير الأردنيين. وهذا يثبت أن النمو المالي يتحقق في صلب البيئة الإقليمية المضطربة بفضل الحوافز الحكومية الناجحة.

الحضور الأجنبي وتصدر السوق المالي عربياً

بنهاية النصف الأول من عام 2026، أظهرت البيانات أن مساهمة المستثمرين غير الأردنيين في الشركات المدرجة بلغت حوالي 46.4 بالمئة من إجمالي القيمة السوقية، حيث استحوذت المؤسسات الاستثمارية على 32.8 بالمئة. وبلغت حصة المستثمرين العرب 30 بالمئة، مقابل 16.4 بالمئة لغير العرب. وقد تركزت هذه الاستثمارات قطاعياً بنسبة 51 بالمئة في الصناعة، و48.5 بالمئة في القطاع المالي، و22.7 بالمئة في الخدمات. وبفضل هذه الثقة المتزايدة والإصلاحات الاقتصادية، قفزت القيمة السوقية لبورصة عمان إلى 26.5 مليار دينار في عام 2025، متصدرة بذلك البورصات العربية. واستمر هذا الأداء اللافت حتى مطلع عام 2026، مما يؤكد أن هذا الانتعاش يستند إلى عوامل بنيوية متينة، مع وجود خطط مستقبلية لتنويع الأدوات المالية عبر إدراج السندات والصناديق المتداولة لتلبية تطلعات المستثمرين.

الأداء التشغيلي القوي وتزايد أعداد الشركات

إن الارتفاع المستمر في مؤشرات البورصة لم يكن ناتجاً عن عمليات مضاربة، بل استند إلى نمو فعلي في ربحية الشركات. فقد سجلت الأرباح الصافية بعد الضريبة نمواً تدريجياً خلال عام 2025، لتبلغ 1.717 مليار دينار بنهاية الأشهر التسعة الأولى. واستمر هذا النهج في الربع الأول من عام 2026، حيث ارتفعت أرباح الشركات المدرجة بنسبة 9.9 بالمئة لتصل إلى 620.7 مليون دينار، محققة بذلك ثاني أعلى أرباح تاريخية لفترة الربع الأول، في حين بلغت الأرباح قبل الضريبة 842.8 مليون دينار بزيادة قدرها 7.4 بالمئة. ويترقب السوق بشغف نتائج الربع الثاني التي من المتوقع أن تعزز من وتيرة الاستثمارات.

وإلى جانب الأرباح، شهدت بيئة الأعمال توسعاً ملحوظاً تمثل في ارتفاع عدد الشركات المسجلة بنسبة 19 بالمئة في عام 2025، وزيادة رؤوس أموالها بنسبة 129 بالمئة. وخلال النصف الأول من عام 2026، تواصل هذا النمو بتسجيل 3753 شركة جديدة مقارنة بـ 3493 شركة في الفترة ذاتها من العام السابق، وقد تصدرت الشركات ذات المسؤولية المحدودة المشهد بتسجيل 2864 شركة برؤوس أموال فاقت 46 مليون دينار.

بالمحصلة، يقدم المشهد الاقتصادي الأردني نموذجاً متكاملاً يرتكز على ثلاثية متينة تتمثل في تدفق استثماري أجنبي متصاعد يبحث عن قيمة مضافة، وقيمة سوقية متنامية تعكس السيولة والثقة، وأداء تشغيلي فعلي ومربح للشركات المدرجة. هذا التناغم يرسخ القناعة بأن التعافي الاقتصادي في الأردن يمتلك جذوراً عميقة قادرة على تخطي كافة التعقيدات الإقليمية المحيطة.

Yazan Khoury

يعتبر يزن خوري صحفياً أردنياً متمرساً ومحللاً خبيراً، يمتلك خبرة تتجاوز 10 سنوات في تغطية الأخبار المحلية، الشؤون الاقتصادية، والسياحية في الأردن. بعد مسيرة مهنية حافلة في أبرز وسائل الإعلام الأردنية، يتخصص يزن الآن في تقديم تقارير استقصائية وتحليلات موثوقة ومبنية على الحقائق حصرياً عبر بوابة ammantoday، مما يجعله مصدراً معتمداً وموثوقاً للمعلومات الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى