أزمة السير في عمان: 1.5 مليون مركبة وتحديات التمدد العمراني
تحولت الرحلات اليومية داخل العاصمة الأردنية من مشوار اعتيادي يستغرق 10 إلى 15 دقيقة إلى رحلة مرهقة تمتد لساعة أو ربما ساعة ونصف، وفقاً لتقييمات المتخصصين في التخطيط الحضري. وتئن المدينة تحت وطأة أكثر من 1.5 مليون سيارة تتواجد داخل حدودها، يضاف إليها التدفق اليومي المستمر للمركبات من المحافظات الأخرى، وزيارات المغتربين والسياح خلال فترات الصيف والإجازات.
وتعكس الإحصائيات الرسمية مشهداً معقداً للأزمة المرورية في عمان؛ فالأمر لا يقتصر على الزيادة العددية للمركبات فحسب، بل يتعداه ليشمل النمو الديموغرافي، والتمدد العمراني العشوائي، وتمركز الأنشطة الاقتصادية، مترافقاً مع بطء تطور شبكات النقل العام مقارنة بتوسع المدينة، ومحدودية القدرة الاستيعابية للطرق، ناهيك عن السلوكيات الخاطئة في القيادة والاصطفاف.
ضغط مروري يفوق حدود وطاقة العاصمة
يعزو المهندس شادي الروابدة، مدير دائرة عمليات المرور في أمانة عمان الكبرى، هذه الاختناقات إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التزايد السكاني، التوسع الجغرافي، والأهمية الاقتصادية والخدمية والسياحية لعمان، مما يجعلها نقطة جذب دائمة للعمل والتعليم ومختلف الخدمات. ويشير الروابدة إلى أن عمان تضم أكثر من 4.5 مليون نسمة، وتحتوي على نحو 70% من إجمالي السيارات المسجلة في الأردن (ما يفوق 1.5 مليون مركبة)، عدا عن المركبات الزائرة يومياً وموسمياً.
من جهتها، كشفت وزارة الأشغال العامة والإسكان، عبر ناطقها الإعلامي عمر المحارمة، أن هناك حوالي 200 ألف مركبة تتدفق يومياً إلى العاصمة عبر المداخل الخمسة الأكثر ازدحاماً خلال أوقات الذروة، وتتوزع الكثافة المرورية على المحاور التالية:
- طريق المطار: حركة كثيفة تتجاوز 190 ألف مركبة بالاتجاهين (شاملاً القادمين من مادبا، الجنوب، والمطار).
- محور عمان-الزرقاء: يشهد مرور أكثر من 120 ألف مركبة يومياً بالاتجاهين.
- محور عمان-السلط (صويلح): يعبره حوالي 75 ألف مركبة.
وتشير تقديرات الوزارة إلى دخول نحو 80 ألف سيارة جديدة سنوياً إلى الأسطول، مما يفاقم الضغط المباشر على الشرايين الرئيسية. ويؤكد المستشار الدكتور خالد المومني، رئيس لجنة التخطيط والتصميم الحضري في نقابة المهندسين، أن إجمالي السيارات المسجلة أردنياً فاق 2.4 مليون، ويرتفع صيفاً ليتجاوز 2.7 مليون مركبة مع توافد الزوار والمغتربين.
أزمة في التخطيط تسبق أزمة الطرق
يرى الدكتور المومني أن أساس المشكلة يعود لعقود من التخطيط الحضري الذي تعاطى مع النقل العام «باعتباره ملحقا مؤجلا، لا عمودا فقريا للمدينة». وأدى التمدد الأفقي السريع لظهور أحياء بعيدة عن مسارات النقل العام، مما جعل امتلاك السيارة ضرورة حتمية. ويضيف أن تركز المراكز التجارية الكبرى والأبراج على الشوارع الرئيسية دون دراسات أثر مروري وافية، زاد العبء على الطرق، فضلاً عن أن التوقف الخاطئ أمام المحال التجارية قد يخنق مساراً بأكمله.
ويشاطره الرأي المهندس مازن النابلسي، أمين سر شعبة الهندسة المعمارية والمختص بالتصميم الحضري، معتبراً الأزمة نتاج قصور في التخطيط الشمولي. ويؤكد أن مخطط المدينة يجب أن يُعاد تقييمه كل 10 إلى 15 عاماً. ويضيف النابلسي أسباباً أخرى كغياب التدرج بين الشوارع (الرئيسية، التجميعية، السكنية)، وعدم استيعاب تصاميم بعض الطرق للزيادة المستقبلية، موضحاً أن الاعتماد على الدواوير والإشارات ليس حلاً نهائياً دون فهم لطبيعة الشارع.
بدوره، يوضح وفائي أمسيس، رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث الطرق، أن الاختناق يحدث بمجرد تجاوز حجم المرور لسعة الطريق. ويربط الأزمة بزيادة أعداد السيارات، وثبات مساحات الأنفاق والجسور، وضعف تغطية النقل العام، وتجوال سيارات الأجرة للبحث عن ركاب. ويرى أن استقطاع أجزاء من الطرق لصالح الباص السريع زاد الضغط مؤقتاً على المركبات، لكنه يشدد على أن أصل المعضلة هو غياب شبكة نقل بديلة وموثوقة.
إدارة تشغيلية وهندسية ونظام مرتقب للتنبؤ
يوضح المهندس الروابدة أن أمانة عمان تتعامل مع الازدحامات عبر 3 مستويات: تشغيلي (من خلال غرفة تحكم مشتركة مع إدارة السير)، وهندسي (تنفيذ تحسينات، أنفاق، وجسور)، واستراتيجي (تطوير النقل العام والأنظمة الذكية).
وبيّنت الأمانة أنها تعتمد على إشارات ذكية تعدل أوقاتها بناءً على الكثافة المرورية، معلنة عن توقعها لتشغيل نظام للتنبؤ بالازدحامات مطلع شهر تشرين الأول المقبل. وفي المقابل، أشار أمسيس إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يقتصر حالياً على تسجيل المخالفات، في حين أكدت وزارة الأشغال عدم امتلاكها لنظام تنبؤ، مكتفية بتخطيط سعة الشبكة والتنسيق لإدارة الحوادث والإغلاقات.
تحسين مداخل ومحاور العاصمة
أنهت وزارة الأشغال مشروع توسعة مدخل عمان-الزرقاء (طوله 20 كم، بتكلفة 160 مليون دينار)، حيث شمل التوسعة لـ 3 إلى 5 مسارب، وبناء 11 تقاطعاً، و4 محطات وسطية، ومحطة رئيسية، مع فصل مسارات حافلات التردد السريع.
كما أشار المحارمة إلى تنفيذ مشاريع إضافية، أبرزها:
- طريق المطار: تحسينات بتكلفة 350 ألف دينار.
- مدخل عمان-السلط: تحسينات وتنظيم جزر بتكلفة 1.52 مليون دينار.
- مدخل عمان-مادبا الشرقي: صيانة وتعزيز عناصر السلامة بتكلفة 4.65 مليون دينار.
وتعكف الوزارة وأمانة عمان على دراسة 3 مسارات بديلة لشارع الملك عبدالله الثاني، حيث ارتفع معدل التأخير فيه من 15 دقيقة إلى 30-35 دقيقة، فيما قُدرت تكلفة استكمال شارع بيت المقدس بنحو 3.5 إلى 4 ملايين دينار. ويحذر الخبراء من أن زيادة سعة الشوارع يجب أن تُقاس بأثرها الفعلي كزمن الرحلة وطول طوابير الانتظار، وليس فقط بحجم الإنفاق.
النقل العام يتوسع.. والخطوط المغذية هي الأساس
تضع الأمانة النقل الجماعي وتطبيقاته الذكية كأولوية، موضحة أن الباص السريع وباص عمان يشكلان منظومة متكاملة. وتغطي الشبكة حالياً 957 كيلومتراً عبر 41 مساراً يعمل عليها 322 حافلة (بينها 15 كهربائية)، مع نية إضافة 20 حافلة جديدة. وقد سجلت المنظومة 109.6 مليون استخدام تراكمي حتى منتصف 2026 (منها 35.4 مليون في 2025)، وتجاوزت عمليات الانتقال بين حافلات الشبكة 14 مليوناً منذ إطلاق تكامل الأجرة عام 2022 وحتى نهاية النصف الأول من 2026.
على صعيد الخطوط الخارجية، أكد محمد الدويري الناطق باسم وزارة النقل، أن مشروع النقل المنتظم انطلق بـ 127 حافلة ليرتفع إلى 146 بدعم حكومي بلغ 4.5 مليون دينار للمرحلة الأولى، بينما تستهدف المرحلة الثانية 180 حافلة بمسارات منتظمة ودفع إلكتروني.
ويرى النابلسي أن نجاح المشاريع مرهون بالخطوط المغذية، فالمواطن الذي يبعد كيلومترين عن المحطة سيضطر لاستخدام سيارته إن لم يجد حافلة توصله. وفي هذا الإطار، تدرس الحكومة تنفيذ نظام «اركن وتنقّل» لإنشاء مرآب ذكي يتسع لنحو ألف مركبة لخدمة القادمين من طريق المطار وشارع الأردن، بهدف تشجيع السائقين على استخدام النقل العام.
الكلفة الحقيقية: فاتورة تتجاوز الوقود
لا تقاس خسائر الازدحام بالدقائق المهدورة فقط. يؤكد المومني أن التكلفة تشمل استنزاف ساعات العمل والوقت الأسري، وزيادة حرق الوقود المبرح للاقتصاد، بالإضافة للتعرض للانبعاثات الضارة وما ينتج عنها من «كلفة صحية مؤجلة». ويضيف النابلسي أن هذه المعاناة تترك آثاراً نفسية سلبية، وتعيق الوصول لفرص العمل والتعليم لمن لا يملكون سيارات، وتقلل من الجاذبية الاقتصادية والسياحية للعاصمة.
حزمة حلول شاملة بدلاً من المشاريع الفردية
يتفق الخبراء على ضرورة اتباع التنمية المرتكزة على النقل الجماعي لتوزيع الأنشطة السكانية والتجارية حول المحاور الرئيسية. ويدعو المومني لإلزامية دراسات الأثر المروري قبل أي ترخيص، وتطبيق الدوام المرن، والسماح لمركبات الإسعاف باستخدام مسارات الباص السريع عند الضرورة.
ويقترح أمسيس تحويل بعض الشوارع لاتجاه واحد، وضبط الإشارات، وتفعيل تشاركية الرحلات بين الموظفين. في حين يشدد النابلسي على مراجعة شاملة لمخطط عمان تواكب التطورات. ويختم المومني بأن أزمة المرور في العاصمة «ليست قدرًا محتوما»، ولكن حلها الجذري يشترط توفير بديل موثوق للسيارة الخاصة، واعتماد تخطيط حضري يسبق النمو ولا يلاحقه.
