الاقتصاد والأعمال

التجارة الإقليمية وسط التوترات: هل يصبح الأردن المركز اللوجستي الأبرز؟

تعيد التوترات السياسية والجغرافية تشكيل طرق التجارة وسلاسل التوريد على مستوى العالم، مما يمنح الأردن فرصة استثنائية ليتخطى كونه مجرد ممر تقليدي للعبور. ويأتي ذلك في ظل تنامي الحاجة الإقليمية والعالمية لإيجاد مسارات أكثر أماناً، بعيداً عن القلاقل في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والتي تسببت في زيادة تكاليف التأمين والشحن وتغيير وجهات الملاحة الدولية.

وقد دفعت هذه التغيرات المتسارعة العديد من دول المنطقة وشركات النقل البحري إلى تقييم خطوط سير البضائع بين بلاد الشام، الخليج، أوروبا، وتركيا. وتزايد التوجه نحو استخدام الممر الأردني كبديل يتمتع باستقرار أكبر مقارنة بمسارات برية وبحرية أخرى تشهد اضطرابات، تزامناً مع وصف الحكومة لهذه المرحلة بأنها “فرصة تاريخية” لجعل المملكة قطباً لوجستياً ومركزاً إقليمياً للنقل والخدمات.

وتظهر إحصائيات المعابر الحدودية والموانئ للثلث الأول من هذا العام نمواً واضحاً في الأنشطة التجارية واللوجستية عبر الأراضي الأردنية، تماشياً مع التبدلات في طرق النقل الإقليمي.

وفي هذا السياق، قفز حجم مناولة الحاويات في موانئ مدينة العقبة ليبلغ 316,010 وحدات مكافئة، بزيادة تقدر بـ 22% مقارنة بـ 259,543 وحدة في الفترة ذاتها من العام المنصرم. كذلك، صعدت أعداد الحاويات الواردة لتسجل 159,852 حاوية مقابل 149,161 حاوية، مما يدل على تزايد الثقة بالعقبة والممر الأردني كوجهة مفضلة ومستقرة لحركة البضائع في المنطقة.

أما على صعيد الترانزيت، فقد بينت إحصاءات نقابة أصحاب شركات التخليص زيادة ملموسة في حركة العبور خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري. وسجل معبر العمري 157,729 حركة مقارنة بـ 139,299 في العام الفائت. كما شهد معبر الكرامة 72,411 حركة صعوداً من 58,059، في حين قفزت الحركة في حدود جابر إلى 139,016 مقارنة بـ 85,751 حركة في العام الماضي، محققة نمواً بلغت نسبته 30%.

وتبرز هذه البيانات تنامي نشاط الترانزيت والتجارة البينية عبر الأردن نحو سوريا، العراق، ودول الخليج، حيث تبحث الكيانات التجارية وشركات الشحن عن طرق تتسم بالأمان وتقل فيها احتمالات التعطل والمخاطر.

وأمام هذه الأرقام الإيجابية، يبرز سؤال جوهري حول إمكانية استثمار الأردن لهذه التغييرات العابرة لتحويلها إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، مما يجعله قطباً إقليمياً منافساً وقادراً على تلبية احتياجات قطاع اللوجستيات.

من جهتها، أوضحت نقابة الملاحة الأردنية في الشهر المنصرم أن تقييم مطار الملكة علياء الدولي وميناء العقبة ليكونا محوراً رئيسياً لعمليات الشحن واللوجستيات لعدد من كبرى الشركات قد بلغ مراحل متقدمة جداً.

وأشارت النقابة إلى تحويل مسار شحنة تخص مصنعاً ألمانياً ضخماً من ميناء أم قصر باتجاه ميناء العقبة، مشددة على تكوين لجنة متخصصة للارتقاء بخدمات الترانزيت في العقبة وإزالة أي معوقات قد تواجهها.

وضمن هذا الإطار، صرح وزير النقل الدكتور نضال القطامين خلال المنتدى الاقتصادي الأردني بأن العالم “بات يبحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً واستقراراً ومرونة في حركة التجارة”، موضحاً أن التطورات التي شهدها مضيق هرمز مؤخراً أبرزت من جديد الأهمية القصوى للممرات اللوجستية وسلاسل الإمداد.

وأردف القطامين قائلاً إن الأردن يتمتع بفرصة مواتية لتثبيت موقعه كمحور لوجستي إقليمي يصل بين مختلف مناطق العالم، معتمداً في ذلك على استقراره السياسي وموقعه الجغرافي اللذين ساهما في رفع مستوى ثقة الأسواق الدولية لاعتماد المملكة كمنطقة عبور ومحطة لوجستية آمنة.

ولفت إلى أن الجهات الحكومية شرعت في الارتقاء بقطاع الخدمات اللوجستية والنقل تماشياً مع رؤية التحديث الاقتصادي، لإدراكها العميق لدور هذا القطاع في دفع عجلة الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، واستقطاب الاستثمارات الخارجية.

من ناحيته، شدد مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ محمود خليفات على أن الأردن “مؤهل لأن يكون مركزاً لوجستياً دائماً”، مبيناً أن الموانئ في العقبة سجلت طفرة ملحوظة في عمليات المناولة خلال الفترة الأخيرة، لا سيما بعد اعتمادها كخيار بديل عن ميناء البصرة العراقي لاستيراد المواد الغذائية والزيوت والحبوب.

وتابع خليفات موضحاً أن قدرة الميناء الاستيعابية يمكن زيادتها بواقع 50%، بناءً على دراسات شملت التكاليف التشغيلية، توفر الموارد البشرية، ومعدلات المناولة، لافتاً إلى تزويد المرافق بآليات ومعدات حديثة لرفع مستوى الأداء التشغيلي.

على الجانب الآخر، يعتقد خبراء في مجال النقل أن مجرد امتلاك موقع جغرافي استراتيجي لا يضمن تحول الأردن إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي، ما لم يقترن ذلك بتطوير فعلي وملموس للبنية التحتية، وتسريع تنفيذ شبكات السكك الحديدية، وتحديث كفاءة الخدمات اللوجستية وإجراءات التخليص الجمركي.

وأكد المهندس خالد حدادين، المختص في النقل والطرق، أن “الجغرافيا وحدها لا تصنع مركزاً لوجستياً”، مبيناً أن قوة الموقع اقتصادياً تتحقق عندما تستند إلى بنية تحتية متعددة الأنماط والوسائط، وموثوقية عالية على الطرق، مع إجراءات جمركية وحدودية سريعة ويمكن التنبؤ بها بوضوح.

ونوه إلى أن التوترات في البحر الأحمر أظهرت مدى الترابط الوثيق بين الاقتصاد العالمي وحركة النقل، مشيراً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي رصدت تراجعاً في التجارة المارة عبر قناة السويس بنسبة تقارب 50% خلال أول شهرين من عام 2024 مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. في حين تسبب اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح في إطالة زمن الرحلات البحرية بعشرة أيام أو أكثر، مما أدى إلى ارتباك سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف المادية.

وأضاف حدادين بأن الأردن يحوز بالفعل على مقومات مهمة تمنحه القدرة على أداء دور لوجستي إقليمي بارز، من أهمها ميناء العقبة، الموقع الاستراتيجي المتوسط، الاستقرار السياسي، شبكة الطرق الجيدة، والقرب من أسواق الشام والعراق والخليج، إلا أنه “ليس مؤهلاً تلقائياً”، وذلك لوجود منافسة إقليمية قوية تقودها مراكز لوجستية كبرى مثل تركيا، قناة السويس، ودبي.

وأوضح أن العائق الأكبر يتمثل في الاعتماد الشامل تقريباً على الشاحنات في النقل البري، في ظل افتقار البلاد لشبكة قطارات حديثة ومجهزة لنقل البضائع، وهو ما يرفع من كلف النقل ويزيد حوادث الطرق والنفقات التشغيلية، بالإضافة إلى الضرورة الملحة لتسريع عملية التحول الرقمي الكامل في قطاع اللوجستيات.

في السياق ذاته، أكد الدكتور ضيف الله أبو عاقولة، نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع، أن الأردن يمر حالياً بفترة تشهد “حركة نشطة وواضحة” في الترانزيت عبر ميناء العقبة والمعابر الحدودية، وتحديداً نحو دول الخليج وسوريا والعراق.

ولفت إلى تصاعد الأنشطة في مراكز جابر، العمري، والكرامة، سواء للشحنات المتجهة من سوريا وتركيا إلى الخليج أو العكس، ولكنه أطلق تحذيراً متزامناً من عقبات وتحديات قد تحد من قدرة الأردن على ترسيخ موقعه كقطب لوجستي للمنطقة.

وبيّن أبو عاقولة أن أبرز تلك التحديات تتركز في ارتفاع تكاليف التأمين ورسوم الشحن ومخاطر الحرب التي فرضتها بعض شركات الملاحة العالمية على العقبة عقب تصنيفه كـ “ميناء خطر”، على الرغم من استمرارية انسيابية العمل ووصول الحاويات والسفن في مواعيدها المعتادة.

وأشار إلى أن استمرار فرض هذه الرسوم، مضافاً إليها القيود على مدد الترانزيت للحاويات وزيادة إجراءات الفحص والمعاينة، قد يضعف من تنافسية العقبة أمام الموانئ المجاورة، مشدداً على أن نجاح الأردن كمركز لوجستي يستند بالأساس إلى “تخفيض الكلف وتسريع الوقت وتقديم تسهيلات حقيقية للتجار وشركات الشحن”.

وأمام هذه التحديات، تعقد الحكومة رهاناتها على مشاريع الربط السككي والنقل التي تندرج ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، ويتصدرها مشروع سكة حديد العقبة. وقد وقّعت المملكة اتفاقية هذا المشروع الاستراتيجي مع الجانب الإماراتي باستثمارات تتجاوز 2.3 مليار دولار، بهدف ربط الميناء بالمناطق التنموية والتعدينية، مما سيعمل على تقليل كلف النقل ورفع كفاءة العمليات اللوجستية.

ويرى حدادين أن إنجاح هذه المشاريع الضخمة من شأنه أن يرتقي بالأردن من مجرد “بلد تمر به الشاحنات” ليصبح دولة “تُدار منها سلاسل الإمداد”، مما يعني خلق قيمة اقتصادية أعلى ومضافة تشمل الصناعات المساندة، إعادة التصدير، التغليف، التخزين، والخدمات اللوجستية المتكاملة، عوضاً عن الاكتفاء الذاتي برسوم العبور التقليدية.

Yazan Khoury

يعتبر يزن خوري صحفياً أردنياً متمرساً ومحللاً خبيراً، يمتلك خبرة تتجاوز 10 سنوات في تغطية الأخبار المحلية، الشؤون الاقتصادية، والسياحية في الأردن. بعد مسيرة مهنية حافلة في أبرز وسائل الإعلام الأردنية، يتخصص يزن الآن في تقديم تقارير استقصائية وتحليلات موثوقة ومبنية على الحقائق حصرياً عبر بوابة ammantoday، مما يجعله مصدراً معتمداً وموثوقاً للمعلومات الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى