السخانات الشمسية والمبادرات الحكومية تدفع عجلة نمو قطاع الطاقة
تسعى الاستراتيجية المحدثة لقطاع الطاقة إلى زيادة حصة الموارد المتجددة لتصل إلى 40% من إجمالي مزيج الكهرباء. وفي هذا السياق، يرى المتخصصون أن استخدام أنظمة تسخين المياه بالطاقة الشمسية في الأردن قد سجل نمواً ملحوظاً خلال العقد المنصرم في عدة مجالات أساسية، وذلك بفضل المبادرات الحكومية الداعمة وتزايد وعي المستهلكين بالعوائد الاقتصادية الإيجابية لهذه الأنظمة.
وأشار الخبراء إلى أن الاعتماد على السخانات الشمسية امتد ليشمل منشآت متنوعة تستهلك الكهرباء بكثافة، كالمنازل، والمستشفيات، والفنادق، والمدارس، نظراً لكونها إحدى أسرع الوسائل لتحقيق خفض ملموس ومباشر في فواتير الطاقة.
دور الدعم الحكومي في توسيع استخدام السخانات الشمسية
من جانبه، أوضح الدكتور رسمي حمزة، المدير التنفيذي لصندوق الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة، أن هناك إقبالاً متزايداً للحصول على دعم تركيب سخانات الطاقة الشمسية، وتحديداً من العائلات التي تتكبد فواتير كهرباء تتراوح بين 40 و50 ديناراً شهرياً، حيث تعتبر هذه الشريحة الأكثر تضرراً من غلاء تكاليف الطاقة.
وبين حمزة أن هذه الأنظمة توفر على الأسر مبالغ نقدية تتراوح من 20 إلى 25 ديناراً كل شهر، وهو ما يترجم إلى حوالي 240 حتى 300 دينار سنوياً للأسرة. وهذا ما يجعل السخانات الشمسية استثماراً مجدياً على المدى الطويل، يسهم في تقليص الأعباء المالية ورفع كفاءة الاستهلاك.
وبغية زيادة أعداد المستفيدين، أطلق الصندوق مبادرة مخصصة للعائلات التي لا يتجاوز دخلها 750 ديناراً في الشهر، بحيث تغطي المبادرة ما يصل إلى 50% من تكاليف التركيب. وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة تهدف لتجهيز 90 ألف نظام شمسي في مختلف المحافظات بحلول عام 2030، مما يبرز التوجه الحكومي لجعل هذه التكنولوجيا ركيزة أساسية للطاقة المنزلية في المملكة.
الإنجازات البيئية والاقتصادية للأنظمة الشمسية
وتشير أرقام الصندوق إلى التطور الكبير الذي شهده هذا القطاع في السنوات العشر الماضية؛ فبعد أن كانت نسبة انتشار السخانات تقف عند 13% في عام 2014، مكنت برامج التمويل أكثر من 70 ألف عائلة من الاستفادة منها حتى اللحظة، بالإضافة إلى منح أنظمة شمسية مجانية بالكامل لأكثر من 8 آلاف أسرة من ذوي الدخل المحدود.
كما أظهرت مؤشرات أداء برامج التركيب بين عامي 2015 و2025 تحقيق مكاسب ضخمة على الصعيدين البيئي والاقتصادي، شملت:
- تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بحوالي 385 ألف طن.
- تحقيق توفير تراكمي في فواتير الكهرباء المنزلية قارب 49.3 مليون دينار.
- استفادة حوالي 234 ألف شخص من البرنامج.
- تركيب ما يزيد عن 43 ألف سخان منزلي.
- تقليص استهلاك الطاقة الكهربائية بنحو 657 ألف ميغاواط/ساعة.
ولم يتوقف الأمر عند المنازل، بل شملت المبادرات قطاعات حيوية أخرى، حيث جرى تركيب 18 نظاماً في الفنادق و45 نظاماً في المدارس، ليصل المجموع العام للسخانات في مختلف المجالات إلى حوالي 45,362 سخاناً، مما يدعم ثقافة ترشيد الطاقة في المؤسسات الخاصة والعامة.
امتداد المشاريع للقطاعات الصحية والتعليمية
على الصعيد الصحي، يُنفذ حالياً مشروع لتزويد 33 مستشفى حكومياً في جميع أقاليم المملكة بأنظمة تسخين مياه شمسية حرارية، ليغطي كافة المستشفيات التابعة للحكومة.
ومن المُقدر أن يخدم هذا المشروع قرابة مليوني مراجع ومريض، بالإضافة إلى تغطية احتياجات 6360 سريراً. وتشمل المبادرة تركيب خزانات بسعة تخزينية تبلغ 140 متراً مكعباً، مما يرفع من كفاءة استهلاك المياه والطاقة ويسهم في تقليص نفقات التشغيل.
ولا ينحصر المشروع في الجوانب الفنية فقط، بل يتضمن تدريب الكوادر الطبية والفنية على أنظمة الطاقة المتجددة، وإطلاق حملات تثقيفية لتعريف المجتمع بضرورة هذه الحلول المستدامة لتشجيع التوسع فيها.
آراء الخبراء حول واقع ومستقبل الطاقة المتجددة
في سياق متصل، أكد الدكتور أحمد السلايمة، الأكاديمي في الجامعة الأردنية، أن السخانات الشمسية تمثل إحدى أبرز قصص النجاح في قطاع الطاقة الأردني. وذكر أن الأردن كان من الدول الرائدة في هذا المجال منذ السبعينيات والثمانينيات، حين شهدت المنازل انتشاراً واسعاً لهذه التقنية بالتزامن مع ظهور صناعات محلية داعمة لها.
وأوضح السلايمة أن سطوع الشمس في الأردن لأكثر من 300 يوم في العام يجعل من هذه التقنية الخيار الأمثل لتسخين المياه لمعظم أشهر السنة (نحو تسعة أشهر) دون الحاجة لاستخدام الكهرباء أو الغاز. وأضاف أن الاعتماد على هذه الأنظمة وفر مصدراً منخفض التكلفة ونظيفاً، وخفف الضغط على الشبكة الكهربائية والوقود.
ولفت إلى أن نسبة الاعتماد على هذه الأنظمة في المنازل بلغت في فترات سابقة 25%، غير أن التمدد العمراني العمودي أدى إلى تراجعها لنحو 11% مقارنة بالنمو السكاني. ومع ذلك، فإن إقرار كودات البناء الموفر للطاقة أعاد الزخم لهذا القطاع عبر إلزام المباني الجديدة بتركيب أنظمة شمسية أو بدائل فعالة.
ونوه السلايمة بالدور المحوري لصندوق الطاقة المتجددة في دعم هذا الانتشار من خلال تمويل الأسر أو توقيع شراكات مع المنشآت الطبية والسياحية، وقال: “إنه شهدت السنوات الأخيرة تركيب أعداد كبيرة من السخانات الشمسية في المنازل والمؤسسات المختلفة، مدفوعة ببرامج دعم وصلت إلى نحو 30 % من كلفة السخان للمواطنين”.
وأضاف أن هذه التوسعات تساهم في تقليل البصمة الكربونية ورفع نسبة الطاقة المتجددة في المزيج المحلي لتصل إلى حوالي 27%. وتطرق إلى الأبحاث الجارية لإيجاد حلول للتحديات الفنية، كإعادة تدوير المياه المهدورة عند بدء تشغيل النظام شتاءً للحفاظ على الموارد المائية في ظل الشح الذي يعانيه الأردن.
ومن الزاوية الاقتصادية، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش أن تنامي استخدام السخانات الشمسية في القطاعات كافة يعد خطوة أساسية لتعزيز كفاءة الاستهلاك وتقليل الأعباء المالية على المواطنين والاقتصاد الوطني. وأشار إلى أن هذا الانتشار يعكس التوجه المتزايد نحو الطاقة البديلة في ظل غلاء الوقود عالمياً.
وأوضح عايش أن الأنظمة الشمسية قادرة على تغطية 70% إلى 90% من متطلبات المياه الساخنة، ما يخفض فاتورة التسخين بشكل جذري لكون تكاليف التشغيل شبه معدومة بعد التركيب. وأضاف أن استخدامها يقلص نفقات الكهرباء بنسب تتراوح بين 5% و20% بناءً على طبيعة الاستهلاك، ويبرز هذا الأثر بقوة في الفنادق والمستشفيات بسبب استهلاكها المستمر للمياه الساخنة.
وأكد أن فوائدها تتعدى المستهلك لتدعم الاقتصاد الوطني من خلال تقليل فاتورة استيراد الطاقة وتحسين الميزان التجاري وتخفيف الضغط عن الموازنة العامة. غير أنه شدد في ختام حديثه على أن السخانات وحدها لا تحل أزمة الطاقة بالكامل، إذ تتطلب قطاعات النقل والصناعة والتكييف، فضلاً عن انخفاض كفاءة الأنظمة شتاءً، حلولاً أعمق وتقنيات تخزين أكثر تطوراً.