الملك عبدالله الثاني يبحث مع “شينخوا” آفاق الشراكة الأردنية الصينية والربط الجوي
أطلّ جلالة الملك عبدالله الثاني في لقاء صحفي خاص مع وكالة “شينخوا” الصينية الرسمية، والذي جرى بثه يوم الإثنين باللغات العربية، والإنجليزية، والصينية. وسلط اللقاء الضوء على مسار الروابط الثنائية بين عمّان وبكين، بالتزامن مع اقتراب الاحتفال باليوبيل الذهبي لمرور خمسين عاماً على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما العام القادم.
وتناول جلالته في حديثه تفاصيل الزيارة التي سيقوم بها قريباً إلى بكين، والفرص المتاحة لتعظيم الشراكة الاستراتيجية، وتوسيع آفاق العمل المشترك في قطاعات الاقتصاد، والسياحة، والاستثمار، والتنمية، والثقافة. كما عرج اللقاء على الحضور الصيني الفاعل في الشرق الأوسط، حيث شدد جلالته على دور بكين المحوري في إرساء دعائم السلم والأمن العالميين، واستثمار ثقلها الدولي لدعم مسار حل الدولتين.
وفيما يلي التفاصيل الكاملة للمقابلة:
تقييم الشراكة الاستراتيجية الأردنية الصينية
سؤال وكالة “شينخوا”: مع حلول عام 2025، يمر عقد كامل على انطلاق الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والصين. كيف ينظر جلالتكم إلى تطور هذه الروابط خلال السنوات العشر الماضية؟ وما هي المحطات التي تعكس متانة هذه العلاقة، خصوصاً في جوانب الثقة السياسية، والتبادل التجاري والاقتصادي، والتواصل الثقافي والشعبي بين البلدين؟
جلالة الملك عبدﷲ الثاني: “في البداية، أود أن أشكرك ووكالة أنباء (شينخوا) على حرصكم على تغطية أخبار الأردن وشراكة المملكة مع الصين، وأتطلع إلى زيارتي المرتقبة إلى بلدكم الجميل، وإلى لقاء فخامة الرئيس شي جين بينغ مجددا لبحث سبل الارتقاء بالشراكة بين بلدينا إلى آفاق أوسع.
تشكل العلاقة الراسخة بين المملكة الهاشمية الأردنية وجمهورية الصين الشعبية أساسا متينا للمضي قدما في أولوياتنا المشتركة وتعزيز الابتكار وتحقيق المزيد من الازدهار لشعبينا.
إن الموقع الاستراتيجي للأردن وموارده وشبابه أصحاب المهارات، إلى جانب القوة الاقتصادية للصين وخبرتها التكنولوجية وانتشارها العالمي، يشكلون مجتمعين فرصا استثنائية لتوسيع نطاق التعاون. وتواصل الصين ممارسة دور حيوي في جهود تعزيز السلام والاستقرار الدوليين وفي مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.
تتزامن زيارتي المقبلة مع حدثين محوريين، وهما مرور أكثر من عقد على تأسيس شراكتنا الاستراتيجية في عام 2015، والذكرى الخمسين لإقامة علاقاتنا الدبلوماسية التي ستحل في العام المقبل (2027).
منذ تأسيس شراكتنا الاستراتيجية، حققت علاقاتنا الثنائية تقدما ملحوظا، وتوسع نطاق التعاون ليتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية ويشمل التجارة والاستثمار، والبنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، والتبادل الثقافي. وعلى الرغم من التحديات إقليميا وعالميا، حافظ بلدانا على التزامهما بتعزيز هذه الشراكة، مما أدى إلى تطور مطرد لمصلحة الطرفين.
ولطالما كانت الصين شريكا رئيسيا في بناء قدرات القطاع العام الأردني، ففي الفترة بين عامي 2015 و2025، استفاد آلاف الأردنيين في القطاعين العام والخاص من البرامج التدريبية والمنح الدراسية التي قدمتها الحكومة الصينية. ويمتد تعاوننا الآن ليشمل البيئة التعليمية بأكملها، بدءا من التعليم المدرسي، مرورا بالتعاون في تدريب المعلمين والمشرفين وتعليم اللغة الصينية، ووصولا إلى التعليم العالي.
علاوة على ذلك، ساهمت الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة في الأردن بشكل كبير في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتنفيذ استراتيجيتنا في تنويع مصادر الطاقة. وفي قطاع التعدين، تكللت الشراكة الاستثمارية بين البلدين بقيام المؤسسة الصينية للتنمية والاستثمار (SDIC) باستملاك حصة تبلغ 28 بالمئة من شركة البوتاس العربية بقيمة 502 مليون دولار.
ونتطلع إلى توسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات مثل الطاقة الخضراء، والابتكار العلمي، والسياحة، والطيران المدني، مع مواصلة تعميق شراكتنا الاستراتيجية في مجال التنمية.”
التحديث الاقتصادي والتنمية الخضراء
سؤال وكالة “شينخوا”: يواصل الأردن خطواته نحو إنجاز رؤية التحديث الاقتصادي والتوجه نحو التنمية المستدامة والخضراء. هل يمكن لجلالتكم تسليط الضوء على أبرز محاور هذا المسار الإصلاحي؟ وكيف ترون سبل توطيد التعاون العملي مع بكين في مجالات الاقتصاد الرقمي، وتطوير الكفاءات البشرية، والطاقة المتجددة، لدعم مسيرة التحديث الاقتصادي؟
جلالة الملك عبدﷲ الثاني: “على الرغم من عقود عدم الاستقرار التي توالت على الإقليم، يواصل الأردن المضي قدما في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وهي خارطة طريق تمتد حتى عام 2033 وتركز على الازدهار وتحسين جودة الحياة، وتحقيق نمو شمولي وطويل الأمد من خلال شراكات استراتيجية.
خطة التحديث الاقتصادي قائمة على أن وجود قطاع عام كفؤ يوظف القدرات الرقمية متطلب أساسي لتعزيز التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات. ولقد أحرز الأردن تقدما كبيرا في رقمنة الخدمات الحكومية، وتتمثل إحدى أولوياته الرئيسية بدمج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة لتبسيط الإجراءات. وبالتالي، تسهم هذه الجهود في دفع عجلة التحول الرقمي للقطاع العام الأردني باعتباره أساسا لاقتصاد حديث وتنافسي.
كما يتمتع الأردن بموقع متميز يؤهله ليكون مركزا إقليميا للتصنيع والتصدير، ويمكن للاستثمارات الصناعية الصينية البناء على هذا والاستفادة من مواردنا الطبيعية، والقوى العاملة الماهرة، وبيئة الأعمال المستقرة، والموقع الاستراتيجي، والشبكة الواسعة من اتفاقيات التجارة الحرة.
بالإضافة إلى ذلك، تعد الاستدامة أحد الركائز الثلاث لرؤية التحديث الاقتصادي، ويعد قطاع الطاقة أفضل مثال على هذا التقدم: فقد ارتفعت حصة الطاقة المتجددة من إجمالي الطاقة المولدة من أقل من 1 بالمئة قبل عشر سنوات إلى حوالي 27 بالمئة اليوم، مع هدف الوصول إلى 40 بالمئة بحلول عام 2035. وللحفاظ على هذا الزخم، يستثمر الأردن في دعم البنية التحتية للطاقة المتجددة، بما في ذلك مجموعة من مشاريع لتوليد الطاقة المتجددة وتخزينها بطاقة إجمالية تقارب 1 غيغاواط، وتمثل فرصا استثمارية تزيد قيمتها عن مليار دولار.
ومن الأولويات الرئيسية الأخرى تعزيز النمو السياحي المستدام ذي القيمة العالية. والهدف هنا لا يقتصر على مضاعفة أعداد الزوار فحسب، بل يشمل تنويع أسواق السياح، وتشجيع الإقامة لفترات أطول، وتحسين الربط الجوي، وضمان تحقيق فوائد أكبر للمجتمعات المحلية. كما ينبغي أن يدعم التعاون في مجال السياحة توفير فرص عمل للأردنيين، ويسهل نقل المعرفة، ويحمي التراث الثقافي والطبيعي للأردن. ونتطلع إلى تعزيز الربط الجوي مع الصين باعتبارها أحد أهم شركائنا العالميين وأحد الأسواق المستهدفة الرئيسية للسياحة الواردة والصادرة.
كما نرى إمكانات كبيرة لتعميق التعاون مع الصين من خلال ترسيخ مكانة الأردن كوجهة مميزة للتصوير السينمائي وصناعة الأفلام الصينية، استنادا إلى قدراتنا الإنتاجية ذات المستوى العالمي ومواقع التصوير الفريدة في المملكة.”
القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي
سؤال وكالة “شينخوا”: وسط المشهد الإقليمي المعقد، يقف الأردن كدعامة أساسية للاستقرار. هل تفضلتم جلالتكم بإطلاعنا على جهود المملكة في إرساء الأمن بالمنطقة، وتحديداً ما يخص القضية الفلسطينية؟ وما هي آفاق التنسيق بين عمّان وبكين لخدمة السلام الإقليمي؟
جلالة الملك عبدﷲ الثاني: “على الرغم من الوضع الإقليمي، نسعى باستمرار لأخذ زمام المبادرة، وتشجيع التنسيق والتعاون من أجل تحقيق السلام، مع الحفاظ دوما على التزامنا بمبادئنا. ولقد ركزت جهودنا الدبلوماسية على هذا النهج، ولطالما قلت إن القضية الفلسطينية ستظل القضية المحورية في منطقتنا، وأنا مؤمن بذلك، وما شهدناه في السنوات الأخيرة يؤكد هذه الحقيقة. وما لم تتم معالجة هذه القضية، ستظل المنطقة عرضة لموجات متكررة من العنف ستزداد حدة واتساعا في نطاقها، وستمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد بكثير من حدود المنطقة.
يواجه الفلسطينيون إجراءات غير مسبوقة، تتمثل في تصاعد هجمات المستوطنين، وتوسع سريع وواسع النطاق للمستوطنات غير القانونية، والاستيلاء على الأراضي ومصادرتها، وهدم المنازل وانتهاك حرمتها، فضلا عن المضايقات والتحريض في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس. ولا يمكن أن تستمر هذه الإجراءات دون التصدي لها، فمن مسؤوليتنا جميعا ضمان احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.
تركز جهود الأردن على التوصل إلى تهدئة في المنطقة، والقيام بدورنا ضمن إطار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والعمل على إنهاء الإجراءات أحادية الجانب التي تعيق تحقيق السلام، والسعي إلى التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة وذات السيادة، على خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لتعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل بسلام وأمن.
ونتطلع إلى التنسيق مع الصين باعتبارها صوتا مؤثرا على المستوى العالمي وشريكا رئيسيا، للبناء على دورها الكبير على الساحة الدولية للمساهمة في الدفع نحو تحقيق حل الدولتين.
كما تستمر جهودنا الإنسانية في غزة، ونحن ممتنون لمساهمات الصين في جهود الإغاثة المستمرة.”
دور “الجنوب العالمي” والحوكمة الدولية
سؤال وكالة “شينخوا”: في خضم التغيرات الجذرية في النظام العالمي، يبرز دور دول “الجنوب العالمي” في صياغة الحوكمة الدولية. ما هي رؤية جلالتكم لدور هذه الدول، ومن ضمنها الصين والمجموعة العربية؟ وكيف يمكن للأردن أن يكون جسراً لتعزيز الشراكة العربية الصينية والدولية لخدمة التنمية والاستقرار؟
جلالة الملك عبدﷲ الثاني: “تكتسب دول الجنوب العالمي دورا متزايدا في الأهمية على المستوى الدولي، فدورها ينمو أكثر فأكثر بما يتعلق بالاقتصاد والأمن العالميين وبتعزيز التنمية المستدامة. ويزيد ذلك من أهمية تطوير نظام عالمي ذي أسس ثابتة متوافقة مع القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف.
نقدر دعوات الصين من أجل نظام عالمي عادل، ونتطلع قدما لتعزيز التعاون بيننا للنهوض بالتعاون الدولي وتعزيز احترام القانون الدولي. وإن الأزمات التي نشهدها اليوم تذكرنا بأننا جميعا مترابطون، وتؤكد أهمية توفير البيئة المناسبة للعمل المشترك والحوار. حان الوقت لمنطقتينا أن تعملا معا لبناء منعة أفضل وتطوير الجهود الثنائية للتصدي لهذا النوع من الأزمات.
وكعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، للصين دور مهم في دعم السلام والأمن الدوليين. وشهدنا نمو العلاقات بين الصين والدول العربية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعكس الاهتمامات المشتركة في التنمية والتعاون المثمر.
ومن جانبنا، لطالما بذل الأردن جهودا دؤوبة دعما للترابط الإقليمي، ولتعاون أكبر وعلاقات أمتن، ولطالما تبنى الأردن سياسة خارجية مبنية على الحوار والتفاعل البناء. وإن التزامنا بالقانون الدولي وبالحلول السلمية للخلافات مكننا من بناء شراكات موثوقة وتعزيز الحوار في مختلف المناطق.”
مسيرة 70 عاماً من العلاقات العربية الصينية
سؤال وكالة “شينخوا”: يشهد هذا العام مرور سبعين عاماً على بدء العلاقات الدبلوماسية العربية الصينية. كيف يقيم جلالتكم هذا النموذج من التعاون القائم على تبادل المنافع والاحترام المتبادل؟
جلالة الملك عبدﷲ الثاني: “هذا الإنجاز يدلل على علاقة صمدت في وجه الأزمات والتغيرات الإقليمية، فاستمرارها نتيجة لتفاعل عملي مستمر وحرص على إيجاد نقاط التشابه وتلبية المصالح المشتركة. وإن مقاربة المنفعة المشتركة هي الوصفة الأساسية لنجاح نموذج التعاون الصيني-العربي، الأمر الذي مكن الطرفين من رؤية النتائج الملموسة لهذا التعاون وبناء شراكات استراتيجية مبنية على الثقة. هنالك أيضا إمكانات كبيرة غير مستغلة يمكن بحث فرص البناء عليها لرفع مستوى التعاون إقليميا ودوليا. فالصين هي مركز ثقل عالمي للقوة الاقتصادية والسياسية، وأصبحت نموذجا دوليا ومصدر إلهام في التنمية والتطوير الاقتصادي. ونأمل أن نرى تعاونا أقرب بين بلدينا خلال الأيام والسنوات المقبلة، فالدول العربية مهتمة بالاستفادة بشكل واسع من التجربة الصينية. كما نتطلع قدما إلى توطيد العلاقات بين الشعبين، وبناء صداقات دائمة وتفاهم مشترك بين بلدينا.”