تراجع العجز التجاري الأردني: دعوات لتوسيع الصادرات وتقليل الكلف
شهد الميزان التجاري للمملكة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري انخفاضاً ملحوظاً في قيمة العجز بنسبة بلغت 17.1%. وعلى ضوء هذا التراجع، قدم خبراء اقتصاديون جملة من المقترحات والتدابير الرامية إلى الحفاظ على استمرارية هذا التحسن، مؤكدين أن الأولوية تكمن في مساندة الصادرات المحلية، واختراق أسواق خارجية جديدة، إلى جانب ترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي رائد في مجالات إعادة التصدير والخدمات اللوجستية.
وأوضح الخبراء في تصريحات منفصلة لصحيفة “الغد”، أن استدامة هذا المسار الإيجابي تتطلب استثمار معدلات النمو المتحققة في قطاعي الصادرات الوطنية والمعاد تصديرها. كما تستدعي المرحلة الحالية تذليل العقبات التي تعترض القطاع التصديري، وتقليص الأعباء المالية المتعلقة بالطاقة والنقل، فضلاً عن الارتقاء بمستوى الخدمات اللوجستية، مما يسهم في رفع القدرة التنافسية للسلع المحلية، ويعزز من جاذبية المملكة لاستقطاب حصة أكبر من الحركة التجارية في الإقليم.
وشددوا على حتمية استغلال تراجع حجم المستوردات عبر تنشيط عجلة الإنتاج المحلي وإحلال السلع الأردنية كبديل للمنتجات المستوردة، بالتوازي مع تبني استراتيجيات اقتصادية وتجارية فعالة تشجع على الاستثمار وتدعم التصدير.
إحصاءات ومؤشرات التجارة الخارجية
استناداً إلى البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة والمتعلقة بحركة التجارة الخارجية، هبط عجز الميزان التجاري في أول خمسة أشهر من العام الحالي ليبلغ 3.011 مليار دينار، مقارنة بـ 3.632 مليار دينار في ذات الفترة من العام المنصرم، مسجلاً بذلك انخفاضاً قيمته 621 مليون دينار. يُشار إلى أن هذا العجز يُعبر عن الفجوة الرقمية بين إجمالي قيمة الصادرات وحجم المستوردات.
وقد سجلت الصادرات الكلية للمملكة في هذه الفترة ما قيمته 5.183 مليار دينار، في حين بلغت قيمة المستوردات 8.194 مليار دينار. كما ارتفعت نسبة تغطية الصادرات الكلية للمستوردات لتصل إلى 63% مقارنة بـ 56% خلال الفترة ذاتها من العام السابق، محققة زيادة قدرها 7 نقاط مئوية.
رؤى وتحليلات اقتصادية لتعزيز الأداء
وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد د. قاسم الحموري: “إن انخفاض العجز في الميزان التجاري، يمثل مؤشرا إيجابيا للاقتصاد الوطني، خصوصا أن الأردن يعاني منذ سنوات طويلة من عجز مزمن في الميزان التجاري، نتيجة عدم قدرة الصادرات على تغطية قيمة المستوردات”.
وبين الحموري أن تخلص الميزان التجاري من جزء من عجزه يعود إلى الحيوية الملحوظة في قطاعي الصادرات وإعادة التصدير. وأشار إلى أن تنامي نشاط إعادة التصدير يبرز إمكانات الأردن كمنطقة لوجستية ومركز توزيع محوري على مستوى المنطقة. وحث على ضرورة استغلال هذه المزايا التنافسية، مقترحاً العمل الجاد على خفض تكاليف الإنتاج كالنقل والطاقة، لجذب المستثمرين المهتمين بالخدمات اللوجستية، مما ينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد ككل.
كما أوضح أن التحول في النمط الاستهلاكي للمواطنين نحو دعم المنتج المحلي في السنوات الماضية، ساعد بشكل ملموس في إحلال السلع الأردنية مكان المستوردة، معتبراً أن ذلك يندرج ضمن خطط تعزيز الإنتاج الذاتي. وألمح إلى تأثير المتغيرات في القطاع السياحي، كزيادة الإقبال على السياحة الداخلية مقارنة بالخارجية، في توجيه الطلب. وطالب الحكومة باستغلال هذه المؤشرات وبناء سياسات ضريبية وتجارية داعمة، تهدف إلى تنشيط الاستثمار وفتح أسواق واعدة لضمان استدامة هذا التحسن المالي.
من جهته، صرح الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة قائلاً: “إن انخفاض العجز في الميزان التجاري يعكس تحسنا مهما في أداء التجارة الخارجية”. وأضاف أن هذا التطور لم ينتج فقط عن انخفاض المستوردات بنسبة 1%، بل جاء مدعوماً بنمو الصادرات المحلية بنسبة 5.8%، وقفزة كبيرة في إعادة التصدير بنحو 31.3%، مما رفع نسبة تغطية الصادرات للواردات.
وأكد مخامرة على أهمية التركيز على رفد الاقتصاد بالعملات الأجنبية عبر التصدير، والانتقال من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى إنتاج سلع ذات قيمة مضافة عالية، وتحديداً في قطاعات البوتاس، الفوسفات، الأسمدة، الأدوية، الألبسة، والصناعات الغذائية. ودعا إلى توسيع الوجهات التصديرية لاستهداف أسواق ضخمة كالهند، الصين، دول شرق آسيا، أفريقيا، الخليج العربي، والولايات المتحدة، مع استثمار اتفاقيات التجارة الحرة بفاعلية.
ولفت إلى أهمية تحويل المملكة لمنصة إقليمية لإعادة التصدير، مستفيدين من البنية التحتية لميناء العقبة والمناطق التنموية لخدمة أسواق دول الجوار كسورية والعراق والخليج. كما اقترح توجيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو غايات التصدير الخارجي، مبيناً أن استمرار هذا النهج سيقلص العجز التجاري ويحسن وضع الحساب الجاري، مما يقلل الحاجة للتمويل والاعتماد الخارجي.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية: “إن تراجع العجز في الميزان التجاري، يمثل مؤشرا إيجابيا على تحسن أداء الاقتصاد الوطني والقطاع الخارجي، مدفوعا بارتفاع الصادرات الكلية، سواء الصادرات الوطنية أو المعاد تصديره”.
وفسر دية الارتفاع الذي تجاوز حاجز الـ 31% في حجم إعادة التصدير بتنشيط الحركة التجارية نحو أسواق الخليج وسورية والعراق، فضلاً عن نمو الصادرات الوطنية المتجهة للأسواق الآسيوية والأوروبية. وأشار إلى المساهمة الفاعلة لعدة قطاعات في هذا النمو، أبرزها الصناعات التحويلية، التعدين (الفوسفات والبوتاس)، الألبسة، المجوهرات، الأسمدة، والصناعات الدوائية.
وأكد دية أن استمرارية هذا الانخفاض تعكس متانة الاقتصاد الأردني وقدرته على تجاوز التحديات الإقليمية الراهنة. وشدد على أهمية الحفاظ على هذه الوتيرة الإيجابية عبر تذليل الصعوبات التي تواجه حركة المرور عبر المعابر الحدودية، وتحسين كفاءة النقل. ولفت الانتباه إلى ضرورة التركيز على تطوير قدرات ميناء العقبة ليكون الممر التجاري الأساسي والبديل الآمن في المنطقة، لا سيما مع الاضطرابات التي تواجه الملاحة البحرية وإغلاق بعض المضائق حالياً، مما يستدعي رفع الجاهزية اللوجستية للميناء لاستيعاب النمو المتوقع في حركة المناولة والتجارة.