السياحة والترفيه

استراتيجية السياحة الجديدة: التركيز على العوائد المالية وتجاوز أعداد الزائرين

مع استمرار قطاع السياحة في المملكة في استرجاع نشاطه، يتجه اهتمام المختصين نحو استراتيجية تتخطى مجرد رفع أعداد الوافدين، لتركز على مضاعفة المردود الاقتصادي الذي يحققه كل سائح. ويتم ذلك من خلال زيادة متوسط الصرف، إطالة فترة المكوث، تنويع الخيارات السياحية، وجعل القطاعات المحلية تستفيد بشكل أوسع من الحراك السياحي.

وطبقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة السياحة والآثار، وصل متوسط ما ينفقه الزائر إلى 793 ديناراً. هذا المؤشر يبرز الفرص السانحة لتعظيم الفوائد الاقتصادية باستهداف الفئات الأكثر إنفاقاً، وابتكار تجارب تحفز السائح على تمديد رحلته وتوسيع دائرة إنفاقه لتغطي محافظات وفعاليات ومرافق محلية إضافية.

وتزداد أهمية هذا التوجه مع تحسن الأرقام السياحية؛ فقد قفز عدد الزوار الدوليين منذ مطلع العام حتى نهاية آب (أغسطس) الماضي إلى نحو 4.96 مليون زائر، مقابل 4.82 مليون في نفس الفترة من عام 2025، بنسبة نمو تقارب 3%.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت الأرقام المبدئية للبنك المركزي عن قفزة في العائدات السياحية خلال شهر آب بواقع 17.2% على أساس سنوي لتصل إلى نحو 1.139 مليار دولار، بينما نمت خلال الشهور الثمانية الأولى من العام بنسبة 2.9% محققة حوالي 5.558 مليار دولار.

زيادة إنفاق السائح تعزز تدفق العملة الصعبة

وفي هذا الصدد، قال رئيس جمعية مكاتب وشركات السياحة والسفر الأردنية، محمود الخصاونة: “إن الهدف المباشر من استقطاب السياح لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أعداد القادمين، وإنما رفع معدل إنفاقهم، لما لذلك من أثر مباشر في زيادة تدفق العملة الصعبة وتعزيز استفادة القطاعات المرتبطة بالنشاط السياحي”.

وبيّن أن المصروفات السياحية تتفرع لتشمل شبكة واسعة من الأعمال، انطلاقاً من سيارات الأجرة وصولاً إلى المطاعم، المتاجر، الهدايا التذكارية، وغيرها، مما يحول عملية رفع معدل إنفاق السائح إلى وسيلة فعالة لتنشيط قطاعات اقتصادية متنوعة في آن واحد.

وأضاف أن تحقيق هذه الغاية يستدعي توفير بيئة سياحية متكاملة تدفع السائح لزيادة ليالي مكوثه، إذ أن إطالة الرحلة تترجم تلقائياً إلى فرص إضافية للإنفاق على السكن، المأكولات، التنقلات، والمشتريات، مما يعظم المردود الاقتصادي على المستوى الوطني.

التحدي لم يعد في عدد الزوار وإنما في قيمة ما يتركونه داخل الاقتصاد

من جانبه، أوضح نائب رئيس جمعية الفنادق الأردنية، هاني الدباس، أن المعطيات الحديثة تثبت أن القطاع دخل في طور الانتعاش واسترجاع الزخم. لكنه أشار إلى أن الأهمية الاقتصادية لهذه المرحلة يجب ألا ترتبط بنمو أعداد الوافدين فحسب، بل بمدى نجاح القطاع في ترجمة هذا النمو إلى عوائد أوسع تفيد الفنادق، المطاعم، النقل، الأسواق، والمجتمعات المحلية في مختلف المحافظات.

ولفت إلى أن تصاعد أعداد الزوار الأجانب وتنامي العوائد يعتبران مؤشراً إيجابياً على استرداد القطاع لجزء كبير من عافيته، على الرغم من حساسية المنطقة للمتغيرات الإقليمية.

واعتبر الدباس أن التساؤل الاقتصادي المحوري للمرحلة القادمة يتمحور حول مقدار القيمة التي يكتسبها الاقتصاد الأردني من مدفوعات السائح، وليس مجرد إحصاء أعداد الداخلين إلى المملكة.

وقال إن الهدف الأكثر تأثيرا أصبح يتمثل في رفع متوسط الإنفاق، وإطالة مدة الإقامة، وتوسيع دائرة الإنفاق جغرافيا وقطاعيا. وأكد أن كل ليلة إضافية يقضيها الزائر تترجم إلى صرف إضافي يدعم المنشآت والأيدي العاملة المحلية.

كما نوّه إلى ضرورة تنويع الخيارات السياحية وعدم حصر الترويج في الأماكن التقليدية، مبيناً أن الاهتمام بالسياحة الرياضية، سياحة المؤتمرات، والمغامرات، بالإضافة إلى إعداد جدول فعاليات يجذب الزوار خارج المواسم المعتادة، سيولد دوافع جديدة للزيارة والإقامة.

وتبرز السياحة العلاجية والاستشفائية كرافد اقتصادي قوي وعالي القيمة، حيث لا ينحصر الدفع في الجانب الطبي فحسب، بل يمتد ليشمل الإقامة، مرافقي المريض، الفنادق، والتسوق. وتطوير هذه الأنماط يسهم بقوة في مضاعفة القيمة المستفادة من السائح الواحد.

التحول الرقمي.. من الحجز إلى زيادة الإنفاق

ويعتقد الدباس أن تبني التكنولوجيا الرقمية يعد مفتاحاً أساسياً لتعزيز الإنفاق السياحي، لا سيما بعد إطلاق وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة لمنصة “أهلا بالأردن”. هذه المنصة تمكّن السائح من التخطيط والحجز الإلكتروني المتكامل ضمن برامج تغطي الإقامة، التنقل، الإرشاد، وتذاكر الدخول.

ولا يقتصر دور الرقمنة على تيسير الحجوزات، بل يمتد ليشمل تقديم اقتراحات ذكية للسائح أثناء تواجده، وربطه بالأسواق والحرف والفعاليات القريبة منه. وبذلك تتحول الرحلة من مجرد مسار مغلق إلى منظومة إنفاق شاملة؛ فمن يزور البترا، على سبيل المثال، يمكن توجيهه رقمياً لتجربة طعام أو نشاط مسائي، ومن يقيم في عمان يمكن إرشاده لزيارة السلط أو جرش أو مأدبا. كما يمكن دمج تجارب التسوق والاستشفاء في برامج القادمين للعلاج لرفع القيمة الإجمالية للرحلة.

الاقتصاد المسائي والحرف والفعاليات.. إنفاق إضافي خارج الموقع السياحي

ويشدد الدباس على أن تعزيز المصروفات يتطلب أيضاً تنمية الاقتصاد المسائي في الوجهات السياحية، عبر تكثيف المهرجانات والتجارب الثقافية والغذائية ودمج قطاع الحرف والمنتجات المحلية ضمن المسارات السياحية.

وهناك ضرورة ملحة لتصميم باقات مشتركة بين الفنادق والمطاعم والمواقع المختلفة لتقديم خيارات واسعة للسائح، مما ينقل الفائدة الاقتصادية من الكيانات الكبيرة لتشمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الأسر المنتجة، ومقدمي الخدمات المحليين.

استهداف السائح الأعلى إنفاقا يرفع القيمة الاقتصادية

بدوره، قال الدكتور سليمان الفرجات: “إن أهمية السياحة بالنسبة للاقتصاد الوطني لا تقاس فقط بأعداد السياح، وإنما بنوعية الزائر ومستوى إنفاقه ومدة إقامته”.

وحثّ على استقطاب الأسواق والفئات ذات القيمة الاقتصادية العالية، لاسيما المهتمين بالسياحة الثقافية والدينية والمغامرات والعائلات التي تقضي فترات إقامة طويلة. وبيّن الفرجات، الذي شغل منصب رئيس سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، أن هذا التوجه يحتاج إلى تطوير منتجات وبرامج مخصصة تلبي تطلعات هذه الشريحة في مختلف المواقع.

وأكد أن مضاعفة الليالي السياحية تعد من أهم الأدوات لرفع الإنفاق، نظراً لكونها تتيح انتقال العائد السياحي إلى المجتمعات المحلية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على “سياحة التجارب” التي تدمج الزائر مع البيئة المحلية.

إبقاء أكبر قدر ممكن من الإنفاق داخل الاقتصاد المحلي

وركّز الفرجات على حتمية الاحتفاظ بالدخل السياحي داخل الاقتصاد المحلي عبر تشغيل أبناء المنطقة وتوفير منتجات وطنية، إلى جانب ضرورة قياس الأثر الاقتصادي لكل زيارة ومتوسط الإنفاق.

وأوضح أن الأسواق الحالية تعتمد بشكل كبير على المغتربين الأردنيين ودول الخليج، بينما لا تتجاوز حصة السياح الأوروبيين وغيرهم 15% من إجمالي الإنفاق السياحي. ولهذا، دعا إلى تكثيف استهداف السائح الأجنبي عالي الإنفاق، مستشهداً بتجربة “العلا” الناجحة في هذا المجال.

وتخلص المقترحات إلى أن المرحلة القادمة من نمو السياحة الأردنية تقتضي إعادة تعريف مقاييس الأداء عبر إضافة مؤشرات جديدة تشمل:

  • متوسط إنفاق السائح ومدة إقامته.
  • عدد المحافظات التي شملتها الزيارة.
  • حجم الإنفاق في المنشآت المحلية ونسبة الحجوزات الرقمية.
  • مدى استفادة المجتمعات والمشاريع الصغيرة.

زيادة الأعداد تمثل أساساً مهماً، لكن الاستفادة القصوى تتحقق بتحويل كل زائر إلى رافد اقتصادي ممتد الأثر، لتغدو السياحة منظومة متكاملة من الإنتاج والتشغيل المستدام بدلاً من مجرد أعداد زائرين.

Yazan Khoury

يعتبر يزن خوري صحفياً أردنياً متمرساً ومحللاً خبيراً، يمتلك خبرة تتجاوز 10 سنوات في تغطية الأخبار المحلية، الشؤون الاقتصادية، والسياحية في الأردن. بعد مسيرة مهنية حافلة في أبرز وسائل الإعلام الأردنية، يتخصص يزن الآن في تقديم تقارير استقصائية وتحليلات موثوقة ومبنية على الحقائق حصرياً عبر بوابة ammantoday، مما يجعله مصدراً معتمداً وموثوقاً للمعلومات الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى