الاقتصاد والأعمال

خبراء: التكلفة البيئية للتجارة الأردنية غائبة عن الميزان التجاري

بلغت المستوردات الأردنية نحو 20.5 مليار دينار خلال عام 2025، مقابل 10.6 مليار دينار للصادرات الكلية، وبعجز تجاري قارب 9.9 مليار دينار، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة. لكن هذه الأرقام، بحسب خبراء، لا تُظهر مقدار المياه والطاقة والمواد الخام المستخدمة في إنتاج السلع المتبادلة، ولا كلفة التلوث البيئي.

وقالت الخبيرة في قضايا البيئة والمياه د. منى هندية لـ”الغد” إن اعتماد الأردن على استيراد سلع ذات بصمة بيئية مرتفعة يمكن أن يحوّله إلى مصدر للهشاشة الاقتصادية، في حال استمرار الاستناد إلى موردين ومنتجات يصعب إيجاد بدائل لها.

وأضافت أن تشدد السياسات البيئية عالمياً قد يعكس بعض تكاليف خفض الانبعاثات والطاقة والامتثال لدى الدول المنتجة على أسعار السلع التي يستوردها الأردن، في وقت تستورد فيه المملكة كميات كبيرة من الوقود الأحفوري رغم تقدمها في الطاقة المتجددة.

وقالت إن ذلك قد يظهر في ارتفاع فاتورة الاستيراد وتكاليف الإنتاج والنقل، وصولاً إلى أسعار السلع التي تُباع مباشرة للمستهلكين، أو في انخفاض هوامش أرباح المنشآت. وحذرت من ارتفاع قيمة الواردات دون نمو موازٍ في الصادرات، لما قد يُسهم به ذلك في اتساع العجز التجاري، واعتبرت أن هذه نتيجة محتملة وليست حتمية، إذ تتوقف على حجم الزيادات السعرية وقدرة الشركات على تحسين الكفاءة وتنويع مصادر التوريد.

وبشأن آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية CBAM، التي بدأ تطبيقها مطلع العام الحالي، قالت هندية إنها تتعلق بسلع محددة تدخل السوق الأوروبية، منها الأسمدة والإسمنت والحديد والصلب والألمنيوم، وإنها لا تفرض رسماً أوروبياً مباشراً على السلع التي يستوردها الأردن لاستهلاكه المحلي. أما الصادرات الأردنية المشمولة، فقد تنعكس التزامات المستورد الأوروبي على أسعار الشراء أو اختيار الموردين، بما يضغط على تنافسيتها إذا كانت مرتفعة الانبعاثات.

وقالت إن الميزان التجاري التقليدي لا يعكس التكلفة البيئية الكاملة للتجارة، لأنه يسجل القيم النقدية للصادرات والواردات ولا يخصم تلقائياً أضرار التلوث أو استنزاف المياه والموارد، وقد تبدو سلعة مستوردة منخفضة السعر لكنها تحمل بصمة بيئية مرتفعة مخفية، دون بيانات تفصيلية عن السلع ومصادرها وانبعاثاتها والبدائل المتاحة.

ودعت إلى إدخال كفاءة الطاقة والموارد والبصمة البيئية ضمن قرارات الاستيراد والإنتاج، وتنويع الموردين، ودعم الطاقة المتجددة، وقياس انبعاثات الصناعات التصديرية. وأشارت إلى أن التكلفة البيئية للسلعة ترتبط بظروف إنتاجها وليس بكمية الموارد المستخدمة وحدها، وضربت مثالاً باستهلاك متر مكعب من المياه في منطقة تعاني استنزاف المياه الجوفية، مقابل استهلاكه في منطقة تمتلك مصادر مائية ضمن حدود مستدامة.

وعن أثر الأزمات المناخية في الدول المصدّرة، حددتها هندية بمسارات منها الجفاف وموجات الحر والفيضانات، التي قد تؤدي إلى تراجع المحاصيل أو تعطّل المصانع، ما يقلل الكميات المتاحة للتصدير ويرفع أسعارها، وقد تلجأ الدول المتضررة إلى حظر التصدير أو تقليصه لحماية أسواقها المحلية.

واستندت إلى أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي بينت أن الضرر يكون أكبر على الدول الأكثر اعتماداً على المورّد الذي يفرض القيود، وأشارت إلى مؤشرات الجفاف على قناة بنما كمثال على كيف يمكن لاضطراب مناخي في ممر تجاري أن ينعكس على حركة الشحن العالمية.

وقالت إن هذه المسارات قد تعني بالنسبة إلى الأردن إنفاق مبالغ أكبر للحصول على الكميات نفسها، وزيادة تكاليف مدخلات الإنتاج، وتأخر وصول بعض السلع. ورأت أن التوسع في الصناعات التصديرية منخفضة الانبعاثات يمكن أن يحقق خفضاً حقيقياً في البصمة البيئية، لكن وصف الصناعة بذلك لا يكفي وحده للحكم على استدامتها، داعية إلى تقييم لدورة حياة المنتج من استخراج المواد الخام مروراً بالتصنيع والنقل والاستخدام وصولاً إلى إعادة التدوير أو التخلص النهائي.

من جهته، قال مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية د. أحمد عوض إن أرقام الميزان التجاري الأردني، رغم أهميتها، لا تفيد وحدها في تحديد حجم المكاسب والتكاليف الاقتصادية للتجارة، وإنها تسجل قيمة ما يستورده الأردن ويصدره لكنها لا تُظهر بالضرورة تكلفة استنزاف المياه والموارد الطبيعية أو الأضرار الصحية والبيئية المرتبطة بالإنتاج.

وأضاف أن الأردن يمتلك بيانات عن التجارة والمياه والطاقة، لكن ثمة حاجة لربطها بحسابات منتظمة توضح كمية استهلاك الموارد والانبعاثات لكل سلعة، ومقارنتها بالقيمة المضافة المحلية وفرص العمل المتحققة. وأكد أهمية معرفة مصادر المياه ومدى ندرتها، وقياس الموارد المستخدمة في كامل سلسلة الإنتاج بما فيها المدخلات المستوردة والنقل.

وقال إن جزءاً من الأعباء البيئية للواردات يقع في الدول المنتجة ويمكن قياسه بتتبع الموارد والانبعاثات عبر سلاسل التوريد، وإن استيراد بعض المحاصيل قد يساعد على حماية المياه المحلية، لكن أثره الإجمالي يتوقف على ظروف إنتاجها ونقلها.

وأشار إلى أن اعتماد ميزان بيئي مكمّل للميزان التجاري سيساعد على توجيه الاستثمار والحوافز نحو أنشطة تحقق دخلاً وتشغيلاً أفضل بموارد أقل، وقد يشجع تصنيع المواد الخام محلياً وتحسين كفاءة الري والطاقة وإعادة استخدام المياه. وحذر من أن غياب هذه الحسابات سيدفع إلى دعم استثمارات تبدو مجدية لكنها تترك فاتورة مؤجلة قد تظهر في فواتير المياه وكلفة الخدمات والصحة.

Yazan Khoury

يعتبر يزن خوري صحفياً أردنياً متمرساً ومحللاً خبيراً، يمتلك خبرة تتجاوز 10 سنوات في تغطية الأخبار المحلية، الشؤون الاقتصادية، والسياحية في الأردن. بعد مسيرة مهنية حافلة في أبرز وسائل الإعلام الأردنية، يتخصص يزن الآن في تقديم تقارير استقصائية وتحليلات موثوقة ومبنية على الحقائق حصرياً عبر بوابة ammantoday، مما يجعله مصدراً معتمداً وموثوقاً للمعلومات الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى