مساعي عمّان نحو التنمية المستدامة عبر النقل الذكي والتحول الرقمي
بيّنت نتائج المراجعة المحلية الطوعية الثانية الخاصة بالعاصمة الأردنية عمّان، أن المسار نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 يرتكز بشكل أساسي على تحديث البنية التحتية، وتطوير قطاع النقل الحضري، وتبني الابتكار والتحول الرقمي، بالإضافة إلى تفعيل العمل المناخي ورفع كفاءة إدارة النفايات والموارد المائية.
وأوضحت المراجعة، التي أشرفت على إعدادها أمانة عمّان الكبرى بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل) ولجنة (الإسكوا)، أن هذه العناصر تمثل القاعدة الصلبة للارتقاء بمستوى المعيشة، ودفع عجلة الاقتصاد، وتمكين العاصمة من التصدي بمرونة للضغوط المناخية والتمدد السكاني.
الانتقال نحو منظومة حضرية متكاملة
أشار التقرير إلى أن النهج الحالي يتجاوز فكرة إطلاق مشاريع معزولة، ليتجه نحو تأسيس شبكة حضرية متكاملة تدمج بين التخطيط العمراني، والإدارة الذكية، والتحول التكنولوجي، والنقل المستدام. وتهدف هذه الرؤية إلى توفير خدمات متوازنة وفعالة ترفع من جاهزية المدينة للتعامل مع التطورات المستقبلية.
وعلى الصعيد التشريعي، برز تطور ملموس من خلال اعتماد السياسة الحضرية الوطنية وإقرار نظام التنظيم والتخطيط لأمانة عمّان لعام 2025. ويسعى هذا النظام إلى مواءمة التوسع العمراني مع الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، عبر استيعاب الزيادة السكانية، وتسهيل إجراءات تقسيم الأراضي، وضمان توزيع الخدمات بعدالة، وتفعيل دور المجتمع من خلال عقد جلسات تشاورية تسبق إقرار المخططات.
النقل المستدام كأولوية في التخطيط الحضري
أكدت المراجعة أن تطوير قطاع النقل العام يُعد ركيزة محورية لتقليص الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الحياة. وقد بات مسار الباص السريع يمثل العصب الرئيسي للنقل النظيف في العاصمة، متكاملاً مع حافلات “باص عمّان”، في ظل مساعٍ مستمرة لتحديث الأسطول بمركبات كهربائية وأخرى صديقة للبيئة.
وتسعى عمّان إلى رفع نسبة الاعتماد على النقل العام في الرحلات اليومية من 13% (وفق إحصائيات 2017) لتصل إلى 30% بحلول عام 2030، بهدف التخفيف من استخدام السيارات الخاصة، وتقليل الحوادث والانبعاثات، وتسهيل الوصول إلى المرافق والخدمات. وفي سياق متصل، توسعت المدينة في تطبيق التقنيات المرورية الذكية، حيث يتولى مركز التحكم إدارة الإشارات الضوئية لحظياً، مستعيناً بالذكاء الاصطناعي لتنظيم الحركة ورصد المخالفات، بالتوازي مع تهيئة أرصفة وممرات آمنة للمشاة. وقد أثمرت هذه الخطوات عن تراجع ملحوظ في معدل وفيات حوادث السير من 4.8 إلى 3.3 حالة لكل 100 ألف نسمة بين عامي 2018 و2023.
الابتكار وأتمتة الخدمات البلدية
في مجال التطوير المؤسسي، قطعت أمانة عمّان شوطاً كبيراً في التحول الرقمي من خلال أتمتة 134 خدمة، مما أسهم في هبوط حاد في أعداد المراجعات الوجاهية من 18 مليون زيارة سنوياً إلى حوالي 270 ألف مراجعة فقط. وقد انعكس ذلك إيجاباً على كفاءة تقديم الخدمات وتسهيل إنجاز المعاملات، لا سيما للفئات التي تواجه تحديات في التنقل، فضلاً عن ضمان استمرارية العمل خلال الظروف الاستثنائية.
وعلى صعيد الابتكار، لفت التقرير إلى ضرورة تقوية جسور التعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية لتحويل الأبحاث إلى مشاريع عملية. وبيّنت الإحصائيات أن معدل التقدم بطلبات براءات الاختراع يقف عند 0.14 طلب لكل 100 ألف فرد. وفيما تغطي شبكات الإنترنت الخلوي 99% من السكان، لا تتجاوز نسبة انتشار الإنترنت الثابت 3.9%، مما يستدعي تعزيز البنية التحتية الرقمية.
الإدارة البيئية والمناخية وموارد المياه
تبرز الإدارة الحضرية للمياه كأولوية قصوى لمواجهة شح الموارد، وذلك من خلال تقليص الفاقد المائي، ورفع كفاءة الاستهلاك، والتوسع في مشاريع حصاد مياه الأمطار وحلول التصريف المستدامة.
وفي قطاع النفايات، يركز التخطيط الحضري على تبني نماذج الاقتصاد الدائري، عبر تعزيز عمليات الفرز من المصدر، وتوسيع نطاق إعادة التدوير، وتقليل حجم النفايات المطمورة، مع إشراك القطاع الخاص وتوظيف التكنولوجيا في هذا المجال. كما أُدمج العمل المناخي في كافة السياسات المحلية، لتشمل خطط البنية التحتية والنقل أهدافاً واضحة لخفض الانبعاثات، وزيادة الرقعة الخضراء، واستخدام الطاقة النظيفة.
تحسين جودة الحياة والعدالة المجتمعية
ربطت مخرجات التقرير بين الصحة العامة ومستويات جودة الهواء، مبينةً أن مراقبة الجسيمات الدقيقة (PM2.5) تشكل معياراً لتقييم نجاح سياسات الطاقة والنقل. وأظهرت البيانات تحسناً في القدرات الاستيعابية للمرافق الصحية، حيث بلغت نسبة تطعيم الأطفال ما دون سن الخامسة 99%.
وشددت المراجعة على أن الارتقاء بجودة الحياة يتطلب توفير الخدمات بعدالة بين مختلف الأحياء، وتضييق الفجوات المجتمعية، مع إيلاء اهتمام خاص بالمرأة، والشباب، واللاجئين، والأشخاص ذوي الإعاقة، تكريساً لمبدأ “عدم ترك أحد خلف الركب”. وخلاصة القول، تتبنى عمّان استراتيجية شمولية تدمج بين التخطيط العمراني، والبيئة، والرقمنة، كعناصر لا غنى عنها لبناء مدينة مرنة ومستدامة تلبي تطلعات قاطنيها بحلول 2030.